السوق قد يطلب الأرخص.. والمستهلك يستحق الحقيقة
كيف يطمئن إنسان إلى ربحٍ من طعامٍ يعرف حقيقته، ويخفيها عمّن سيضعه على مائدة أبنائه؟
تبدأ جريمة الغش الغذائي قبل أن تصل السلعة إلى السوق؛ تبدأ حين تصبح الأمانة قابلة للمساومة، ويُحسب المكسب دون حسابٍ لحق المشتري وصحته وثقته. وقد تغيب عين الرقيب عن مخالفة، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق البيع يظل حاضرًا: هل ترضى لأبنائك ما تعرضه على أبناء الآخرين؟
في أسواقنا منتجون وتجار يصونون أسماءهم بالكسب المشروع، ويعرفون أن ثقة الناس رأس مال يستحق الحماية. غير أن مَن يتعمد الخداع يجد له أعذارًا جاهزة: «السوق يريد الأرخص»، و«الزبون يطلب ذلك». وكأن ضيق دخل المستهلك يمنح أحدًا حق إخفاء حقيقة ما يبيع له، أو استبدال سلعة بأخرى تحت الاسم نفسه.
يتناول هذا المقال الرابع من سلسلة «الغش الغذائي.. فاتورة يدفعها الجميع» مسؤولية الضمير في حماية لقمة العيش، وكيف تتحول الأمانة إلى ممارسة يومية يدعمها التحقق والتوثيق. فالثقة في المورد جديرة بالاحترام، لكنها تحتاج إلى ما يسندها؛ وقد تنتقل السلعة المغشوشة عبر أيدٍ حسنة النية. والسوق الذي نطمئن إليه يحتاج إلى قانون نافذ، وضمير يقظ، وثقة تقوم على دليل.
السعر المنخفض لا يبرر الغش الغذائي
من حق المستهلك أن يبحث عمّا يناسب دخله، ومن حق التاجر أن يعرض بدائل اقتصادية. فالسعر المنخفض ليس تهمة، والبديل الاقتصادي ليس غشًا، ما دام يُباع باسمه وتركيبه الحقيقيين، وببيانات واضحة تتيح للمشتري اختيارًا واعيًا.
فإذا كان المنتج خليطًا من الزيوت، فلا يُعرض باعتباره زيت زيتون بكرًا ممتازًا. وإذا كان بديلًا للسمن أو الزبد البلدي، فيجب توضيح حقيقته، بدلًا من منحه اسمًا وقيمة لا يستحقهما.
يبدأ الخداع حين يُباع الوهم مع السلعة، ويُحجب عن المشتري ما يحتاج إلى معرفته. وقد يكون البديل صالحًا للاستهلاك، ومع ذلك يصبح تقديمه باسم منتج آخر غشًا يسلب المستهلك حقه في الاختيار، ويحمّله ثمنًا لا يعبر عن حقيقة ما اشترى.
السوق قد يطلب الأرخص، لكنه لا يمنح أحدًا حق الخداع.
الربح من الغش.. خسارة للثقة والمنافسة
التاجر أو الموزع الذي يعلم بحقيقة المنتج المغشوش ثم يشارك في تداوله ينقل الخداع من مصدره إلى مائدة المستهلك. وهذا السلوك يعتدي على حق المشتري، وقد يعرّض صحته للخطر، ويظلم المنتج الجاد، ويفسد المنافسة؛ إذ يُطرح المنتج الزائف باسم السلعة الحقيقية، دون تحمل تكلفة إنتاجها أو الالتزام بمواصفاتها.
ولا تقف الخسارة عند عبوة أو صفقة. فعندما تتكرر وقائع الغش، تمتد الشكوك إلى منتجات سليمة وتجار أمناء، ويصبح على الجميع أن يدفعوا ثمن استعادة الثقة التي بددها غيرهم. وهكذا يتحول مكسب محدود إلى خسارة أوسع للسوق والمجتمع.
كما أن المال الناتج عن الخداع لا يصبح كسبًا مشروعًا لمجرد اختلاطه بأرباح تجارة مشروعة. فالأمانة جزء من قيمة العمل، وبركة الكسب لا تنفصل عن نزاهة وسيلته. وفي ميزان المسؤولية الأخلاقية، يبقى التذكير القرآني حاضرًا: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ «الشعراء: 88–89».
الثقة في المورد.. لماذا لا تكفي وحدها؟
يعتمد بعض التجار والموزعين، وأحيانًا المستهلكين، على الثقة الشخصية في المورد أو البائع الذي اعتادوا التعامل معه. وهذه الثقة مهمة في التجارة، لكنها لا تثبت بمفردها أصالة المنتج؛ فقد يتعرض المورد الموثوق نفسه للغش، ثم ينقل السلعة بحسن نية.
لذلك لا يكفي مبدأ: «حدّثني ثقةٌ عمّن يثق فيه». فانتقال الثقة بين الأشخاص لا يحولها إلى دليل علمي على حقيقة زيت الزيتون أو العسل أو السمن.
وحسن النية يستحق التقدير، لكنه لا يكشف تركيب المنتج، ولا يغني عن التحقق عندما تظهر مؤشرات تدعو إلى الشك. نثق في الأشخاص، ونتحقق من المنتجات؛ وبذلك نحمي الطرفين.
التحقق والتتبع.. كيف نحمي الثقة في الغذاء؟
تكتسب الثقة المهنية قوتها من تعامل واضح وموثق: فواتير تسجل التوريد ومصدره، وبيانات للمصنّع والمورد، وأرقام تشغيلات تسمح بتتبع المنتج، ونتائج تحليل عند الحاجة. ويساعد التتبع على معرفة مسار الغذاء وتحديد الموردين والعملاء المرتبطين بالتشغيلة محل التحقيق، بما يدعم إجراءات الحماية والسحب عند الضرورة.
أما التحليل، فتتوقف دلالته على اختيار الاختبار المناسب، وكفاءة المختبر، وسلامة أخذ العينة وتمثيلها للتشغيلة. فلا يصح أن نطلب حكمًا على كمية كبيرة من عينة لا تمثلها، أو نتيجة لا تجيب عن موضع الاشتباه. وتمثيل العينة للكمية محل الفحص أساس مهم في تقييم نتائج التحليل.
وعند النزاع، تُقرأ النتائج الفنية مع المستندات وبيانات التتبع، لتكوين صورة متكاملة عن الواقعة. والتحقق يحمي المورد الأمين أيضًا؛ فقد يكشف أنه تعرض للخداع، ويساعد على تحديد الحلقة التي بدأت منها المخالفة.
مسؤولية التاجر والموزع عند الاشتباه في الغش
إذا ظهرت مؤشرات جدية، مثل سعر يصعب تفسيره اقتصاديًا، أو غياب مستندات المصدر، أو تضارب بيانات التشغيلات، أو شكاوى متكررة، فإن المسؤولية المهنية تقتضي التعامل معها بجدية.
هذه المؤشرات تستدعي التحقق، ولا تثبت الغش بمفردها. ويبدأ التصرف المسؤول بتعليق تداول التشغيلة محل الاشتباه إلى حين فحص الأمر، ومراجعة المورد والمستندات، وطلب التحليل المناسب، والتواصل مع الجهة المختصة بحسب طبيعة الحالة.
ويُختبر حسن النية في هذه اللحظة تحديدًا: ماذا فعل التاجر عندما ظهر الشك؟ هل تحقق وحمى عملاءه، أم آثر استمرار البيع خشية خسارة صفقة؟
الأمانة موقف يظهر حين تتعارض حماية الناس مع منفعة عاجلة.
حماية المستهلك تبدأ بأمانة يدعمها التحقق
القانون والرقابة ضروريان للردع وحماية المستهلك، ويكتمل أثرهما حين تصبح الأمانة ممارسة راسخة في الإنتاج والتوزيع والبيع. فالضمير اليقظ يدفع صاحبه إلى رفض الخداع، والتوثيق والتحقق يساعدانه على كشفه وتجنب نقله بحسن نية.
والسوق النظيف يحتاج إلى هذه المسؤولية المشتركة: منتج يعلن حقيقة سلعته، وتاجر يتحقق مما يبيع، ومستهلك يحصل على معلومات واضحة، ورقابة تتابع وتردع.
قد يحقق الغش ربحًا عاجلًا، لكنه يبدد ثقة يصعب استعادتها. وأمانة لقمة العيش تستحق أن تُصان في كل حلقة من رحلتها، حتى تصل إلى المائدة كما وُعد بها صاحبها.
سنتناول فى المقال التالي من سلسلة «الغش الغذائي.. فاتورة يدفعها الجميع»: «طريق أقصر.. غذاء أوثق» — تقليل الوسطاء وإيصال المنتج الحقيقي إلى المستهلك.