رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

سلسلة الغش الغذائي.. فاتورة يدفعها الجميع - 2


  • 26-9-2026 | 13:58

.

طباعة
  • د. عادل جبر عبدالرازق أستاذ علوم وتكنولوجيا الأغذية بالمركز القومي للبحوث

جهات كثيرة ومائدة واحدة: كيف تتكامل الرقابة لمكافحة الغش الغذائي؟

أدوار هيئة سلامة الغذاء والمواصفات وحماية المستهلك

ما فائدة اكتشاف عبوة مغشوشة في أحد المتاجر إذا ظل مصدرها يورد المنتج نفسه إلى عشرات المنافذ؟ وما قيمة شكوى المستهلك إذا انتقلت بين جهات متعددة قبل أن تصل إلى الجهة القادرة على وقف التداول؟

الغش الغذائي لا يعترف بالحدود الإدارية بين المؤسسات؛ فالمنتج قد يبدأ من مصنع غير مرخص، وينتقل عبر موزع مجهول، ويُعرض ببيانات مضللة في متجر أو منصة إلكترونية. لذلك لا تستطيع جهة واحدة، مهما بلغت كفاءتها، مواجهة المشكلة منفردة.

المطلوب ليس دمج الجهات أو خلط اختصاصاتها، بل ربطها بمنظومة تجعل المعلومة تنتقل بسرعة، والقرار يصدر في الوقت المناسب، والمنتج المخالف يُسحب قبل اتساع دائرة الضرر.

دور الهيئة القومية لسلامة الغذاء في الرقابة والتتبع

تمثل الهيئة القومية لسلامة الغذاء محورًا أساسيًا في الرقابة على تداول الغذاء. ويشمل دورها الرقابة على الغذاء المحلي والمستورد، ومكافحة الغش والتدليس، ووضع نظم التتبع والسحب والاستدعاء، والتعامل مع مخاطر الغذاء عبر مراحل تداوله المختلفة.

ولا ينبغي أن تقتصر مواجهة الغش على ضبط العبوة الموجودة على الرف؛ بل يجب تتبعها إلى المصنع أو المستورد والمورد، وتحديد بقية المنافذ التي استلمت التشغيلة نفسها. فالرقابة الأكثر فاعلية لا تسأل فقط: أين وُجد المنتج المغشوش؟ وإنما تسأل: من أين جاء، وإلى أين ذهب؟

دور هيئة المواصفات والجودة في تحديد المنتج الحقيقي

لا يمكن إثبات الغش دون مرجعية تحدد هوية المنتج وصفاته وحدود قبوله وطرق اختباره. وهنا يأتي دور الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة في إعداد وتحديث المواصفات القياسية من خلال اللجان الفنية المتخصصة، إلى جانب أنشطتها في مجالات الجودة والمطابقة والاختبارات.

وتزداد أهمية تحديث مواصفات المنتجات المرتفعة القيمة، مثل زيت الزيتون وعسل النحل والسمن والزبد، بما يواكب طرق الغش المستحدثة والتطور في وسائل الكشف عنها. فالمواصفة الواضحة تجيب عن سؤال: ما المنتج المطابق؟ بينما تكشف طريقة الاختبار مدى التزام العينة بهذه المتطلبات.

دور جهاز حماية المستهلك في مواجهة التضليل

يتعامل جهاز حماية المستهلك مع الوجه الذي يراه المواطن مباشرة: بيانات مضللة، أو إعلان غير صحيح، أو منتج يختلف عن المواصفات المعلن عنها، أو نزاع بين المستهلك والمورد.

وتكمن أهميته في استقبال الشكاوى، وحماية حق المستهلك في المعلومات الصحيحة، والتعامل مع المورد أو المعلن وفق الاختصاصات القانونية. لكن شكوى واحدة قد تكون مؤشرًا على مشكلة أكبر؛ لذلك يجب ألا تنتهي بمعالجة حالة المشتري فقط، بل تُحال المعلومات الفنية إلى الجهة المختصة إذا كانت تكشف احتمال وجود تشغيلة مغشوشة في السوق.

لماذا نحتاج إلى قاعدة بيانات مشتركة؟

تخيل أن جهاز حماية المستهلك تلقى شكاوى متكررة عن منتج، بينما أظهرت تحاليل جهة أخرى عدم مطابقته، وسجلت جهة ثالثة مخالفات على المورد نفسه. إذا بقيت هذه المعلومات منفصلة، فسيفقد كل طرف جزءًا مهمًا من الصورة.

لذلك نحتاج إلى منصة مؤسسية مشتركة تربط شكاوى المستهلكين وأماكن الشراء، وأسماء المنتجات والموردين والمصنعين، وأرقام التشغيلات ونتائج التحاليل، وقرارات السحب والاستدعاء، والمخالفات السابقة والإعلانات المضللة. ولا تستبدل هذه القاعدة اختصاص أي جهة، لكنها تمنحها المعلومات اللازمة لأداء دورها بسرعة.

شكوى واحدة ومسار واضح

ليس مطلوبًا من المستهلك أن يعرف الفروق القانونية الدقيقة بين اختصاصات الجهات قبل تقديم شكواه. المطلوب بوابة واضحة تستقبل البلاغ، وتعطيه رقم متابعة، ثم تحيله داخليًا إلى الجهة المختصة دون إرهاق صاحبه. كما ينبغي إبلاغ المواطن بما تم؛ فالتواصل الواضح يجعله شريكًا في الرقابة دون تحميله مسؤولية الجهات الرسمية.

الخلاصة: التكامل أسرع من الغش

هيئة سلامة الغذاء تراقب التداول والتتبع، وهيئة المواصفات تضع المرجعية الفنية، وجهاز حماية المستهلك يحمي حق المواطن في المعلومات والمعاملة العادلة. وتتكامل هذه الأدوار مع جهات التموين والرقابة على الأسواق والجمارك والشرطة والنيابة والسلطات المحلية.

النجاح لا يُقاس بعدد الحملات المنفصلة، بل بسرعة انتقال المعلومة من الشكوى إلى التحليل، ومن التحليل إلى قرار وقف التداول، ومن المتجر إلى المصدر الحقيقي للمخالفة.

وسنتناول فى حديثنا القادم مقالا بعنوان   «بير السلم» يصل إلى مائدتك: المصانع المجهولة والتوزيع غير الرسمي والتجارة الإلكترونية.

اخر اصدار