لم تعد أزمة الفلاح المصري مرتبطة بموسم سيئ أو محصول انخفض سعره بصورة مؤقتة، بل أصبحت تعكس خللًا أعمق في هيكل السوق الزراعي نفسه.
الفلاح يبدأ الموسم وهو يتحمل تكلفة التقاوي والأسمدة والمبيدات والعمالة والطاقة والري والميكنة وإيجار الأرض والنقل، بينما لا يعرف على وجه الدقة السعر الذي سيبيع به محصوله بعد شهور. وهنا تظهر المشكلة الأساسية: الفلاح يشتري مدخلات إنتاجه بأسعار معلومة ومتزايدة، لكنه يبيع إنتاجه بسعر غير مضمون.
ومع ارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج بصورة متسارعة، مقابل عدم ارتفاع أسعار المحاصيل بالمعدلات نفسها، تآكلت هوامش الربح، وأصبحت زراعة بعض المحاصيل في بعض المواسم أقرب إلى المخاطرة منها إلى الاستثمار المنتج.
لكن جوهر الأزمة ليس فقط ارتفاع الأسعار؛ بل ضعف المزارع الفرد أمام السوق.
عندما يشتري الفلاح احتياجاته منفردًا، يشتري بكميات صغيرة وبأسعار التجزئة، وعندما يحصد محصوله يذهب إلى السوق منفردًا أيضًا، فيواجه تاجرًا يمتلك السيولة والتخزين والنقل والمعلومات والقدرة على الانتظار، بينما يمتلك الفلاح محصولًا قد يكون سريع التلف ويحتاج إلى البيع.
وبالتالي يتحمل المنتج معظم مخاطر الزراعة، لكنه لا يمتلك القوة الكافية في تحديد سعر الشراء أو البيع.
وهنا يصبح إعادة هيكلة السوق الزراعي ضرورة اقتصادية وليست مجرد مطلب اجتماعي.
والمدخل الأكثر واقعية لذلك هو إعادة بناء دور التعاونيات الزراعية.
فالتعاونية الحديثة لا ينبغي أن تكون مجرد جهة لصرف الأسمدة أو إنهاء الإجراءات، بل يجب أن تتحول إلى كيان اقتصادي حقيقي يمتلكه المزارعون.
فبدلًا من أن يشتري ألف مزارع احتياجاتهم بصورة منفردة، تستطيع التعاونية تجميع الطلب وشراء التقاوي والأسمدة والمبيدات بكميات كبيرة وبأسعار الجملة، ما يخفض تكلفة الإنتاج ويضمن جودة المستلزمات.
وفي الاتجاه الآخر، تستطيع التعاونية تجميع المحصول وتصنيفه وتعبئته وتسويقه والتفاوض مع المصانع والمصدرين والسلاسل التجارية، فتتحول المعادلة من «فلاح صغير أمام مشترٍ كبير» إلى «كيان اقتصادي يتفاوض مع كيان اقتصادي».
ويجب ربط هذا النموذج بالزراعة التعاقدية، بحيث يعرف المزارع قدر الإمكان قبل الزراعة لمن سيبيع، وما المواصفات المطلوبة، وكيف سيتم تحديد السعر.
كما يجب أن تمتد وظيفة التعاونية إلى الإرشاد الفني، والتخزين، والتبريد، والنقل، والتصنيع الزراعي الأولي، والتمويل، والمعلومات السوقية.
لكن نجاح التعاونيات يتطلب أيضًا إدارة حديثة: مجالس منتخبة، إدارة تنفيذية محترفة، قوائم مالية شفافة، مشتريات تنافسية، رقمنة كاملة، ورقابة ومحاسبة حقيقية.
ويجب أن يقاس نجاح التعاونية بسؤال واضح: كم خفضت تكلفة الفدان؟ وكم رفعت سعر بيع المحصول؟ وكم زاد صافي دخل المزارع؟
إن حماية الفلاح لا تعني تثبيت الأسعار أو تحميل الدولة تكلفة غير مستدامة، وإنما تعني بناء سوق أكثر كفاءة وعدالة، يخفض تكلفة الإنتاج ويزيد القوة التفاوضية للمنتج ويقلل حلقات الوساطة غير الضرورية.
فالأمن الغذائي لا يبدأ فقط من استصلاح أراضٍ جديدة، بل يبدأ من قدرة المزارع على الاستمرار فوق الأرض التي يزرعها.
ولهذا فإن هيكلة السوق الزراعي وإعادة بناء التعاونيات وربطها بالتسويق والتصنيع والزراعة التعاقدية تمثل أحد أهم مسارات حماية الزراعة المصرية.
فحين يربح الفلاح يستمر في الزراعة، وحين تستمر الزراعة يستقر الغذاء، وحين يستقر الغذاء يزداد أمن الدولة الاقتصادي والاجتماعي.