من غشَّ طعامنا؟ المسؤولية عن الغش الغذائي من المصنع إلى المستهلك
كيف تضيع المسؤولية بين حلقات سلسلة التوريد؟
أ.د. عادل جبر عبدالرازق
أستاذ علوم وتكنولوجيا الأغذية والتصنيع الغذائي بالمركز القومي للبحوث
تخيل أن تدفع ثمن زيت زيتون فاخر، أو عسل نحل طبيعي، أو سمن بلدي أصيل، ثم تكتشف أن العبوة الأنيقة كانت تخفي منتجًا آخر أقل جودة وقيمة. الأخطر أنك قد تستهلكه طويلًا دون أن تتمكن عيناك أو حواسك من كشف الحقيقة!
هذه ليست مجرد خسارة مالية؛ فالغش الغذائي اعتداء على حق المستهلك في المعرفة والاختيار، وتهديد للمنافسة العادلة، وقد يتحول إلى خطر صحي عندما تدخل في المنتج مكونات مجهولة أو غير مصرح بها.
لكن الغذاء المغشوش لا يصل إلى المائدة بيد واحدة؛ بل يمر بسلسلة تضم المنتج أو المستورد، والمعبئ، والموزع، وتاجر الجملة والتجزئة، وقد يصل عبر متجر إلكتروني. فمن يتحمل المسؤولية؟
ما الفرق بين الغش الغذائي والخطر الصحي؟
ليس كل غش غذائي خطرًا صحيًا مباشرًا، لكنه دائمًا تضليل اقتصادي. فقد يحصل المستهلك على زيت مخلوط بزيوت أقل سعرًا بدلًا من زيت الزيتون، أو منتج سكري بدلًا من عسل النحل، أو خليط من الدهون النباتية يباع باعتباره سمنًا أو زبدًا بلديًا.
وقد يصبح الغش خطرًا صحيًا إذا استُخدمت خامات مجهولة المصدر، أو مواد وألوان غير مصرح بها، أو إذا أدى استبدال المكونات إلى وجود مسببات للحساسية غير معلن عنها. لذلك لا يكفي القول إن المنتج المغشوش «غير ضار»؛ لأن سلامة الغذاء ترتبط أيضًا بصدق هويته، وصحة بياناته، وعدالة تداوله.
من يتحمل مسؤولية المنتج المغشوش؟
لا يكفي أن نسأل: «من ارتكب الغش؟»، بل يجب أن نسأل كذلك: «من كان عليه واجب التحقق؟ وهل تجاهل مؤشرات تستوجب الشك؟».
فالمصنع مسؤول عن الخامات والتركيب والبيانات، والمستورد مسؤول عن التحقق من مطابقة ما يدخله إلى السوق، والمعبئ مسؤول عن مصدر المنتج وصحة الاسم المكتوب عليه، والموزع مسؤول عن الفواتير وأرقام التشغيلات وظروف النقل والتخزين.
أما تاجر التجزئة فلا يُطلب منه أن يتحول إلى مختبر، لكنه مطالب بالشراء من مورد معلوم، والاحتفاظ بالفواتير، وعدم تداول منتجات مجهولة المصدر، ووقف البيع عند تلقي تحذير موثوق أو صدور قرار رسمي بالسحب. كما يجب ألا تتحول التجارة الإلكترونية إلى ستار يحمي الموردين المجهولين؛ فالمنصة مطالبة بالتحقق من هوية البائع ومشروعية نشاطه وإظهار بيانات المنتج قبل إتمام الشراء.
المسؤولية المتدرجة لا تعني اتهام الجميع
لا يمكن مساواة من صنع المنتج المغشوش عمدًا ببائع صغير اشترى عبوة مغلقة من مورد بدا موثوقًا. لكن البائع نفسه لا يستطيع التمسك بحسن النية إذا اشترى دون فاتورة، أو من مصدر مجهول، أو بسعر يستحيل معه منطقيًا أن يكون المنتج أصليًا، أو واصل البيع بعد علمه بالمخالفة.
المطلوب مسؤولية متدرجة بحسب دور كل طرف، ومدى سيطرته على المنتج، وقدرته على التحقق، وما إذا كان يعلم بالغش أو تجاهل عمدًا علامات واضحة عليه. هذه هي العدالة: لا إفلات بسبب تعدد الحلقات، ولا عقوبة بلا خطأ أو تقصير.
هل السعر المنخفض دليل على الغش الغذائي؟
السعر المنخفض ليس دليلًا قاطعًا على الغش، لكنه قد يكون جرس إنذار، خصوصًا عندما يقل كثيرًا عن التكلفة المنطقية للخامات والإنتاج والتعبئة والتوزيع. ومن حق المستهلك البحث عن سعر مناسب، ومن حق التاجر تقديم بديل اقتصادي، بشرط أن يباع المنتج باسمه وتركيبه الحقيقيين. فالسوق قد يطلب منتجًا أرخص، لكنه لا يطلب أن يُخدع.
التتبع يحمي المستهلك والمنتج الجاد
عند اكتشاف تشغيلة مغشوشة، يجب معرفة المصنع الذي أنتجها، والمورد الذي نقلها، والمحال التي استلمتها، والكميات التي وصلت إلى المستهلكين. وهنا تظهر أهمية الفواتير وأرقام التشغيلات وسجلات التوزيع؛ فالتتبع ليس عبئًا ورقيًا، بل ذاكرة السوق التي تحدد مصدر المخالفة، وتساعد على سرعة سحب المنتج، وتحمي الأبرياء من الاتهام.
الخلاصة: فاتورة الغش يدفعها الجميع
الغش الغذائي لا يسرق مال المستهلك فقط؛ بل يضر بصحته وثقته، ويعاقب المنتج الجاد، ويمنح المخالف ميزة غير عادلة، ويحمّل الدولة والاقتصاد تكلفة الرقابة والعلاج وفقدان السمعة.
ولمنع ضياع المسؤولية، نحتاج إلى رقابة مترابطة، ومصادر معلومة، وتجار يدركون واجبهم القانوني والأخلاقي، ومعامل محايدة، ومستهلك واعٍ بحقوقه وواجباته.