رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

النينيو في الحقل المصري:كيف يغيّر دفء المحيط الهادئ مواسم المطر والمحاصيل وأسعار الغذاء؟


  • 15-9-2026 | 14:24

.

طباعة

 الدكتور قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية؛ وعضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين

قد يظن المزارع المصري أن ارتفاع حرارة المياه في المحيط الهادئ أمر بعيد لا يمس أرضه أو محصوله، لكن المناخ لا يعترف بالمسافات.

فتغير درجة حرارة مساحة واسعة من هذا المحيط يستطيع أن يعيد توزيع الرياح والأمطار والحرارة حول العالم، فيشتد الجفاف في مناطق، وتهطل أمطار غزيرة في مناطق أخرى، وتتأثر محاصيل الحبوب والمراعي ومصايد الأسماك وحركة التجارة.

وتُعرف هذه الظاهرة باسم «النينيو»، وهي ليست مجرد خبر من نشرات الأرصاد، بل عامل قد يصل أثره إلى تكلفة الأعلاف والقمح والزيوت في الأسواق المصرية.

كيف تبدأ ظاهرة النينيو؟

في الظروف المعتادة تهب الرياح التجارية فوق المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ من الشرق إلى الغرب، فتدفع المياه السطحية الدافئة نحو إندونيسيا وأستراليا.

وفي الجهة المقابلة تصعد مياه باردة من الأعماق بمحاذاة سواحل بيرو والإكوادور، حاملة معها عناصر غذائية تدعم الثروة السمكية.

أثناء النينيو تضعف هذه الرياح، فتتحرك المياه الدافئة شرقًا، ويقل صعود المياه الباردة، وتتغير مناطق تكوّن السحب وهطول المطر. وتنتقل آثار هذا الاضطراب عبر الغلاف الجوي إلى أماكن بعيدة.

أما «النينيا» فهي الوجه المقابل للدورة، وفيها تصبح مياه شرق ووسط المحيط الهادئ أبرد من المعتاد وتقوى الرياح التجارية. وتتكرر الحالتان بصورة غير منتظمة، غالبًا كل سنتين إلى سبع سنوات، وقد تستمر الواحدة منهما عدة أشهر أو أكثر من عام.

ظاهرة طبيعية في عالم أكثر حرارة

النينيو ظاهرة طبيعية عرفها العالم منذ زمن طويل، بينما يمثل تغير المناخ اتجاهًا ممتدًا يرتبط أساسًا بتزايد غازات الاحتباس الحراري الناتجة من الأنشطة البشرية.

ولذلك لا يصح اعتبار الظاهرتين شيئًا واحدًا. لكن وقوع نينيو قوية فوق خلفية من الاحترار العالمي قد يرفع الحرارة مؤقتًا ويزيد حدة بعض الظواهر المتطرفة.

كما أن أحداث النينيو ليست متطابقة؛ فقد يتركز أشد الاحترار في وسط المحيط الهادئ أو في شرقه، وتختلف تبعًا لذلك مناطق الجفاف والفيضانات ومسارات العواصف.

ولهذا لا يستطيع العلماء رسم خريطة ثابتة لتأثيرها في كل بلد، بل يتعاملون مع احتمالات تتغير وفق موقع الاحترار وقوته والفصل الذي يحدث فيه.

المحاصيل والمراعي في دائرة الخطر

تعتمد الزراعة على قدر من الانتظام في درجات الحرارة ومواعيد المطر وتوافر مياه الري.

وعندما تخل النينيو بهذا الانتظام قد يتأخر الإنبات، أو يضطرب التزهير والعقد، أو تقصر فترة امتلاء الحبوب، فتتراجع الإنتاجية.

ويؤدي الجفاف إلى نقص مياه الشرب والمراعي والأعلاف، بينما تتسبب الأمطار الشديدة والفيضانات في غمر الحقول وانجراف التربة وانتشار بعض أمراض النبات والحيوان.

وقد ارتبطت أحداث قوية من النينيو بجفاف في أجزاء من أفريقيا وأميركا الوسطى وجنوب شرقي آسيا، في مقابل أمطار غزيرة على الساحل الغربي لأميركا الجنوبية.

وخلال حدث 2023-2024 أدى انخفاض المياه في قناة بنما إلى تقييد حركة بعض السفن، بما كشف أن الصدمة المناخية قد تعطل تجارة الحبوب والأسمدة، لا إنتاج المحصول وحده.

كما أُلغي موسم مهم لصيد أسماك الأنشوجة قبالة بيرو بعدما ابتعدت عن المياه السطحية الدافئة وتراجعت ظروف تكاثرها.

وتمتد أهمية هذه الأسماك الصغيرة إلى إنتاج مسحوق السمك المستخدم في أعلاف الدواجن والاستزراع السمكي؛ ومن ثم يمكن أن تنتقل الصدمة من المحيط إلى مزارع الإنتاج الحيواني والسمكي وأسعار الغذاء.

ماذا تعني النينيو للمزارع المصري؟

ليست العلاقة بين النينيو والطقس في مصر مباشرة أو ثابتة؛ فمناخنا يتأثر أيضًا بالبحر المتوسط والمحيط الهندي والبحر الأحمر وأنظمة الضغط ومسارات الرياح. لذلك لا يجوز نسبة كل موجة حر أو جفاف أو عاصفة إلى النينيو.

ومع ذلك قد يصل تأثيرها إلى مصر عبر اضطراب الحرارة والأمطار في الإقليم، وعبر الأسواق العالمية بصورة أوضح. تستورد مصر كميات مهمة من القمح والذرة والزيوت ومكونات الأعلاف. فإذا تراجع محصول في دولة مصدرة، أو تعطلت الموانئ والممرات البحرية، أو ارتفعت تكلفة الشحن، انعكس ذلك على أسعار مستلزمات الإنتاج والغذاء. وتزداد الحساسية مع ما تواجهه الزراعة المصرية من ندرة المياه وارتفاع الحرارة وتملح بعض الأراضي وتفتت الحيازات، ولذلك تصبح متابعة النينيو جزءًا من التخطيط للأمن الغذائي.

كيف نستعد قبل وصول الخسائر؟

لا يستطيع المزارع منع النينيو، لكنه يستطيع خفض جانب من مخاطرها إذا وصلته المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب. وتبدأ المواجهة بنظام إنذار مبكر يحول توقعات الأرصاد إلى إرشادات زراعية محددة لكل منطقة ومحصول، بدل الاكتفاء بتحذيرات عامة.

وقد يستلزم الاستعداد تعديل مواعيد الزراعة، واستخدام أصناف مبكرة أو متحملة للحرارة والجفاف والملوحة، وتنويع المحاصيل، وتحسين كفاءة الري، وتسوية الأرض، وصيانة المصارف، وتجنب الإسراف في التسميد النيتروجيني خلال الظروف غير الملائمة.

ومن الضروري كذلك توفير احتياطي من التقاوي والأعلاف، وتوسيع برامج التأمين الزراعي لمساندة المنتجين عند وقوع خسائر استثنائية. ويبرز هنا دور التربية النباتية والوراثة والتكنولوجيا الحيوية في استنباط أصناف تحافظ على إنتاجيتها تحت الإجهاد.

غير أن الصنف المتحمل لا يعمل منفردًا؛ فهو يحتاج إلى تربة جيدة وإدارة رشيدة للمياه والتسميد وخدمة إرشادية تصل إلى الحقل. وعلى مستوى الدولة يلزم تنويع مصادر استيراد السلع، ومتابعة أحوال مناطق الإنتاج، وبناء احتياطيات محسوبة، وتقليل الفاقد أثناء الحصاد والتخزين والنقل.

المحيط بعيد وتأثيره قريب

توضح النينيو أن النظام الغذائي العالمي شبكة مترابطة؛ فارتفاع حرارة المياه قبالة بيرو قد يقلل إنتاج الأعلاف، والجفاف في بلد مصدر قد يرفع سعر الحبوب في بلد آخر، وانخفاض مياه ممر ملاحي قد يؤخر وصول السماد إلى المزارع.

ولا تعني متابعة الظاهرة الخوف أو تفسير كل تغير جوي بها، بل استخدام العلم للاستعداد واتخاذ القرار قبل الأزمة.

إن الزراعة القادرة على الصمود هي التي تراقب المناخ، وتحسن إدارة كل قطرة ماء، وتنوع مصادرها ومحاصيلها، وتستثمر في البحث والإرشاد.

وقد يكون المحيط الهادئ بعيدًا عن الحقل المصري، لكن الرسالة التي تحملها مياهه الدافئة قريبة: التقلبات المناخية لم تعد شأنًا خارجيًا، والاستعداد المبكر أقل تكلفة من علاج الخسائر بعد وقوعها.

اخر اصدار