لم تعد القضية مقتصرة على توفير كميات المياه اللازمة فحسب في ظل التحديات المتزايدة التي تشهدها مصر في ملف الأمن المائي والغذائي، ، بل أصبحت جودة المياه وصلاحيتها ركيزة أساسية للحفاظ على صحة الإنسان وسلامة التربة والمحاصيل.
ففي الكثير من المناطق الريفية والزراعية، تبرز مشكلة اختلاط مصادر المياه بالمخلفات المنزلية والزراعية والصناعية، مما يجعل استخدامها المباشر خطرًا حقيقيًا.
ومن هنا يأتي دور البحث العلمي في تقديم حلول واقعية تسد الفجوة بين المعامل الأكاديمية والاحتياجات المجتمعية الميدانية، عبر تقديم تقنيات بسيطة، غير مكلفة، ومستدامة بيئيًا.
وفي هذا السياق، شهد عام 2026 نشر دراسة علمية بارزة في مجلة Journal of Water Process Engineering الدولية المصنفة ضمن المجلات المتخصصة من المستوى الأول (Q1) التابعة لدار النشر الشهيرة Elsevier ، وهي مجلة تتمتع بمعامل تأثير قوي يصل إلى 6.7.
وقد قاد هذا البحث فريق مصري ودولي رفيع المستوى، ضم الدكتور سمير إبراهيم محمد جادو، الأستاذ المساعد بقسم الميكروبيولوجيا الزراعية بالمركز القومي للبحوث، بالتعاون مع الأستاذ المساعد محمد الشوادفي بقسم العلاقات المائية والري الحقلي، والأستاذ الدكتور علاء زغلول بقسم الأراضي واستخدام المياه بالمركز القومي للبحوث، بالإضافة إلى الأستاذ الدكتور عبد اللطيف هشام، أستاذ الوراثة وعميد كلية الزراعة بجامعة بني سويف.
وركزت الدراسة على تصميم نموذج متكامل يحاكي الطبيعة يُعرف بـ "الفلتر الحي"، وهو عبارة عن أراضي رطبة صناعية مصممة داخل حوض صغير يتدفق فيه الماء ببطء عبر طبقات متعاقبة من الرمل الناعم والحصى الخشن، ومزروعة بنبات "الكاتيل" المعروف علميًا باسم Typha latifolia. هذا النظام لا يعتمد على آليات ترشيح ميكانيكية تقليدية فقط، بل يطلق منظومة حيوية فريدة؛ حيث توفر أسطح الرمل والحصى بيئة مثالية لتشكل الأغشية الحيوية أو "البيوفيلم"، وهي تجمعات ميكروبية نافعة تتولى تفكيك المواد العضوية، بينما تعمل الجذور الكثيفة للنبات على إبطاء حركة المياه وزيادة زمن تلامسها مع هذه المنظومة الحيوية لتنقية المياه من الملوثات العضوية والمعدنية والميكروبية في آن واحد.
ويكمن السر وراء كفاءة هذا النظام في الخصائص الفريدة لنبات الكاتيل، وقدرته العالية على النمو في البيئات الرطبة الغنية بالمغذيات، فضلًا عن دوره في تمرير الأكسجين إلى منطقة الجذور، مما يخلق بيئة نشطة للميكروبات المصاحبة له. وتتميز هذه الدراسة عن سابقاتها بأنها لم تقف عند حد الطرح النظري، بل وظفت أدوات إحصائية متقدمة مثل منهجية سطح الاستجابة والتصميم المركب المركزي لتحديد أدق المعايير التشغيلية للنظام، مما أثمر عن نماذج تنبؤية قوية فسرت أكثر من 85% من التغيرات في كفاءة المعالجة، وخلصت إلى أن الأداء الأقصى يتحقق عند زمن احتجاز للمياه يقارب 60 ساعة وكثافة نباتية تبلغ 16 نباتًا في الحوض.
وجاءت النتائج المخبرية والميدانية لتؤكد النجاح الاستثنائي لهذا الفلتر الحي، حيث نجح النظام في خفض الحمل العضوي الكلي بنسبة تصل إلى 93%، متراجعًا من 747.1 ملجم/لتر إلى 52.3 ملجم/لتر فقط، بالتوازي مع خفض المواد الصلبة الكلية والمتطايرة بنسبة تجاوزت 87%.
وفيما يتعلق بالمعادن الثقيلة التي تشكل تهديدًا مباشرًا للسلامة البيئية، أظهر النظام كفاءة إزالة مذهلة تخطت 94% لعناصر الكروم، والزنك، والكادميوم، والرصاص، مما يحد من مخاطر تراكمها في السلسلة الغذائية.
وعلى الصعيد الميكروبي والصحي، تمكن النظام من خفض البكتيريا القولونية البرازية بنسبة 98.5%، محولًا المياه إلى مصدر أكثر أمانًا من الناحية البيولوجية.
كما حققت الدراسة سبقًا علميًا بدراسة مؤشر الاستجابة الميكروبية للمضادات الحيوية، حيث سجلت انخفاضًا بنسبة 70% في هذا المؤشر تحت ظروف التشغيل المثلى، مما يعكس قدرة النظام على العمل كحاجز بيولوجي يقلل من مخاطر انتشار بكتيريا مقاومة المضادات الحيوية في البيئة المحيطة.
تتجلى جاذبية هذا الابتكار في بساطته الهندسية، فهو نظام ذاتي التشغيل لا يحتاج إلى تكنولوجيا معقدة، أو استهلاك عالٍ للطاقة، أو إدارة فنية متخصصة، مما يجعله مثاليًا للتطبيق الفوري في التجمعات الريفية وبجوار المصارف الزراعية في مصر كمرحلة معالجة تمهيدية قبل الري.
علاوة على ذلك، يفتح النظام آفاقًا واعدة للاقتصاد الدائري، فإلى جانب تنقية المياه، ينتج نبات الكاتيل كتلة حيوية ضخمة يمكن حصادها واستغلالها بشكل آمن في إنتاج الفحم الحيوي والألياف الصناعية والمواد البيئية منخفضة التكلفة، ليقدم البحث بذلك نموذجًا يحتذى به في تسخير عناصر الطبيعة البسيطة لحل أعقد المشكلات البيئية ودعم استدامة الموارد المائية.

د.عبد اللطيف هشام

د.سمير جادو

د.سمير جادو

د.سمير جادو
|

د.سمير جادو