للشعوب أيام تظل عالقة في الذاكرة والأذهان والتاريخ ، ومن هذة الأيام في حياة المصريين يوم العاشر من رمضان الذي وافق السادس من أكتوبر عام 1973، اليوم الذي عبرت فيه قواتنا المسلحة قناة السويس إلي الضفة الشرقية في سيناء لتزيل الساتر الترابي وتدك حصون خط بارليف ، وتحطم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر وتنزل به هزيمة مذلة لا تزال عالقة في أذهانهم حتي الآن ، وتحرر جزء من أرض سيناء وتعطي درسا للجميع عن بسالة وشجاعة الجندي المصري الذي غير مفاهيم الحرب في ذلك الوقت بقدرته علي التصدي للدبابات ومدرعات العدو حاملا سلاحه علي كتفه ، فكانت مركبات العدو تفر من أمامه خوفا وذعرا منه بدلا من أن تطارده .
إن قيام حرب أكتوبر في العاشر من رمضان كان بمثابة إلهام وشحن للروح المعنويه والعقيدة الإيمانية لدي المقاتل المصري ، فتحت صيحة الله أكبر عبر الجنود المصريين قناة السويس طالبين النصر أو الشهادة طبقا للعقيدة القتالية التي يؤمنون بها لتحرير تراب الوطن يتساوي في ذلك المسلم والمسيحي ، فالدماء الذكية التي روت رمال سيناء لم تفرق بين المصريين علي حسب دينهم ، بل وحدت الجميع تحت رايه واحدة فكان الجيش يحارب في سيناء والشعب المصري عن بكرة أبيه من ورائه ، فتلك الأيام كانت علامات فارقة في تاريخ الشعب المصري سجلها بأحرف من نور ، وكتبها أبناءه بمداد من دمائهم لتظل باقية وشاهدة علي ماحدث حتي قيام الساعة .
ولكن ما حدث في العاشر من رمضان لم يكن وليد اللحظة ، فكان الاستعداد له بعد هزيمة يونيو عام 1967 مباشرة ، حينما رفض الشعب المصري الهزيمة ورفض تنحي الرئيس جمال عبد الناصر للحكم مطالبا القيادة السياسية بالاستمرار لإزالة آثار العدوان وتحقيق النصر وتحرير الأرض المحتلة ، فبدأ علي الفور إعادة تجهيز وإعداد الجيش المصري لمعركة الكرامة ، وتدريب الجنود وإمدادهم بكافة الأسلحة والمعدات والوسائل التي يحتاجونها للنصر في الحرب القادمة ، فكان التدريب شاقا والتضحيات كثيرة ، فالعدو لم يرد أن يعطي الفرصة للجيش المصري أن يسترد عافيته وكان يجهض كل محاولات الإستعداد ، ولكن إرادة الشعب والجنود المصريين تفوقت حتي تحقق النصر في العاشر من رمضان .
فبعد هزيمة يونيو 67 بدأت علي الفور حرب الإستنزاف بعد أقل من ثلاثة أسابيع وكانت البداية مع معركة رأس العش ، حيث كانت آخرنقطة تحت السيادة المصرية علي الضفة الشرقية لقناة السويس داخل سيناء ، وحاول العدو إحتلال هذة المنطقة ولكن مجموعة من الصاعقة المصرية بسلاحها الشخصي تصدت لقوة العدو المدرعة ، وأنزلت به هزيمة منكرة ودافعت ببسالة عن تلك البقعة حتي إضطر العدو للإنسحاب والتقهقر ، ولم يحاول الإسرائيليون بعد ذلك معاودة الكرة للإستيلاء علي تلك المنطقة ، وظلت معركة رأس العش صداعا في رأس الإسرائيليين ، وأثبتت شجاعة المقاتل المصري وأنه لم ينل فرصته الحقيقية أثناء حرب في 67 ، وفتحت الطريق لبداية حرب الإستنزاف التي كانت خير تدريب بالسلاح والدم للإستعداد لمعركة العاشر من رمضان .
وإستمرت حرب الإستنزاف لمدة ثلاث سنوات تقريبا أذاق فيها الجندي المصري العدو الإسرائيلي المر ، حيث كبد الجيش المصري نظيره الإسرائيلي خسائر فادحة في الأفراد والمعدات ، وأسقطت نظرية الأمن الإسرائيلية التي تعتمد علي إحتلال الأرض لتحقيق الأمن والأمان لهم بالتمسك بالأرض المحتلة ، ولكن الجندي المصري أكد للإسرائليين أنه ليس هناك حدود آمنه للأراضي المحتلة ، وإستطاع المقاتل المصري أثناء حرب الإستنزاف عبور قناة السويس للضفة الشرقية للقناة والوصول لعمق سيناء وضرب الأهداف الحيوية والإستراتيجية الإسرائيلية ، وكذلك أسر عدد من الجنود الإسرائيليين ، فكانت حرب الإستنزاف بجد ضربة قاصمة للعدو الإسرائيلي ، وفتحت الطريق لتحقيق النصر في العاشر من رمضان .
وبعد مبادرة روجرز في أغسطس 1970 والتي نصت علي وقف حرب الإستنزاف بين الجانبين المصري والإسرائيلي ، إنتهز المصريون الفرصة لإستكمال الإعداد والتدريبات والتجهيزات والمعدات للدخول في حرب التحرير ، فإستطاع المصريون تحريك حائط الصواريخ المصري قبل بداية الهدنة مباشرة إلي حافة الضفة الغربية لقناة السويس ، والذي لم نكن نستطيع العبور إلا بتحريك هذا الحائط الذي حمي قواتنا أفرادا ومعدات لمسافة عشرة كيلو مترات في عمق سيناء ، كما تم التدريب علي عبور قناة السويس وتسلق الساتر الترابي وإزالته بخراطيم المياه ، وكذلك التدريب علي إقتحام نقاط خط بارليف المنيع وتصفيتها ، كل ذلك وغيره تم تدريب الجنود المصريين عليه علي الضفة الغربية لقناة السويس بعد هدنة روجرز حتي أصبح الجيش المصري علي أهبة الإستعداد للقيام بحرب العاشر من رمضان التي خاضها بعض الجنود المصريين وهم صائمون ، حتي أن بعض الجنود أثناء العبور العظيم لقناة السويس وهم في قواربهم المطاطية رأوا كلمة الله أكبر مكتوبه بالسحاب في سماء المعركة .