بقلم / الدكتورعبد العزيز نور أستاذ تغذية الحيوان والأسماك- كلية الزراعة جامعة الإسكندرية ورئيس مجلس إدارة جمعية البيئة العربية
لم تعد الأوبئة الفيروسية أحداثًا صحية معزولة، بل أصبحت مرآة تعكس اختلالات عميقة في النظام العالمي، فمن إنفلونزا الطيور والخنازير إلى جائحة كوفيد-19، كشفت التجربة أن الفيروسات لا تفرّق بين دولة غنية وأخرى فقيرة، ولا تعترف بحدود سياسية أو امتيازات اقتصادية، ومع ذلك، ظلّ يتردد سؤال جوهري: هل يتمتع ما يمكن تسميته مجازًا بـ«المليون الذهبي»—أي النخبة العالمية الأكثر ثراءً ونفوذًا—بحصانة خاصة من أخطار الأوبئة؟
الفيروسات كنتاج لاختلال منظومي
من المنظور العلمي، لا تنشأ الفيروسات في فراغ، فظهورها وانتشارها يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بسلوك الإنسان تجاه البيئة: التوسع العمراني غير المنضبط، والزراعة المكثفة وتكدس الحيوانات، وتدمير الموائل الطبيعية، والاتجار غير المشروع في الحياة البرية، إضافة إلى تسارع التغير المناخي، هذه العوامل، مجتمعة، تخلق ظروفًا مثالية لانتقال الفيروسات من الحيوان إلى الإنسان، وهي السمة الغالبة لمعظم الأمراض الفيروسية الناشئة.
إن هذه الممارسات ليست عشوائية، بل هي جزء من نمط إنتاج واستهلاك عالمي غير متكافئ، تستفيد منه قلة وتتحمل تبعاته الأغلبية.
هل تحمي الثروة من العدوى؟
لا شك أن الثروة توفر مزايا مهمة: نظم صحية أكثر تطورًا، قدرة على العزل، وصولًا أسرع للعلاج واللقاحات، لكن التجربة العملية أثبتت أن الانتشار الأولي للأوبئة غالبًا ما يبدأ في مراكز الحركة العالمية—المدن الكبرى، والمطارات، وشبكات السفر والتجارة—وهي الفضاءات ذاتها التي تتمركز فيها النخب الاقتصادية، وبذلك، قد تحمي الثروة أصحابها من النتائج الأشد للمرض، لكنها لا تمنحهم حصانة من حدوثه أو انتشاره.
لقاحات غير متكافئة… وحصانة ناقصة
أبرزت جائحة كوفيد-19 خللًا واضحًا في عدالة التوزيع الصحي، إذ حصلت دول محدودة على النصيب الأكبر من اللقاحات في وقت مبكر، بينما انتظرت دول أخرى طويلًا، هذا الواقع غذّى الانطباع بوجود «نخبة محصّنة صحيًا»، غير أن استمرار ظهور المتحورات وانتقالها عالميًا بدّد هذا الوهم؛ فالتحصين غير الشامل لا يوقف تطور الفيروس، بل يؤجله ويعيد تصديره في صور جديدة.
نهج الصحة الواحدة: كسر وهم العزل
تؤكد مقاربة الصحة الواحدة (One Health) أن الفصل بين صحة الإنسان وصحة الحيوان والبيئة هو خطأ علمي واستراتيجي، فالمرض الذي ينشأ في بيئة مهمشة أو نظام إنتاج ضعيف الرقابة، يمكنه خلال أسابيع أن يتحول إلى أزمة عالمية تهدد الاستقرار الصحي والاقتصادي حتى في أكثر الدول تقدمًا، من هذا المنطلق، تتهاوى فكرة «المليون الذهبي» صحيًا؛ إذ لا يمكن بناء جدار وقائي في عالم مترابط بيولوجيًا.
من يدفع الثمن؟
رغم عالمية الخطر، يبقى توزيع الأعباء غير عادل:
• صحيًا، تتحمل الفئات الأضعف العبء الأكبر من المرض والوفيات.
• اقتصاديًا، تعاني الدول الهشة من صدمات أشد وأطول أمدًا.
• اجتماعيًا، تتعمق الفجوات وتزداد الهشاشة.
أما النخب، فغالبًا ما تنجو من الأسوأ صحيًا، لكنها لا تنجو من الارتدادات الممتدة: اضطراب الأسواق، هشاشة سلاسل الإمداد، وتزايد عدم الاستقرار العالمي.
تكشف الفيروسات زيف فكرة الحصانة المبنية على الثروة وحدها، ففي عالم بلا حدود بيولوجية، لا يمكن شراء الأمان الصحي بالمال أو النفوذ، الحصانة الحقيقية تُبنى عبر نظم صحية عادلة، وبيئات متوازنة، وإدارة رشيدة للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، وحتى يتحقق ذلك، ستظل الأوبئة تذكيرًا قاسيًا بأن اختلال النظام العالمي ليس خطرًا على «الآخرين» فقط، بل تهديدًا مشتركًا للجميع.