ألوان من قلب الواحة.. الكركم والجوافة على النول
من غرفة مستأجرة إلى قلعة إنتاج
سر الخامة.. لماذا يُقص صوف الخراف الحية
المرأة فى البشندى .. شريكة الإنتاج والنجاح
سميت قرية البشندى التابعة لمركز بلاط بمحافظة الوادي الجديد نسبةً إلى شيخ هندي عرف قديما باسم «محمد الباشا هندي»، الذي اعتنق الإسلام واستقر بالمنطقة وبنى مسجدا بالقريةو مع مرور الزمن تحول الاسم إلى «البشندي»
قرية صغيرة في الجغرافيا كبيرة في القيمة حيث تتمازج أصالة الماضي المتمثلة في مقبرة "كيتانوس" الرومانية مع تطور الحرف اليدوية استطاعت هذه القرية أن تتحول منذ عام 1979 إلى نموذج رائد للقرية المنتجة عالمياً. وبفضل رؤية الحاج "عبد السلام سنوسي"، الأب الروحي لتنمية القرية أصبحت بشندي "قرية بلا بطالة"، ومزاراً سياحياً يجمع بين عبق التاريخ وصناعة السجاد الحرير والصوف والكليم الفلكلوري الذي يُصدّر للعالم.
لم يكن غريباً بعد ربع قرن من الكفاح أن تُوجت "جمعية تنمية المجتمع بالبشندي" مؤخراً بـ جائزة التميز لمنظمات المجتمع المدني، محتلة المركز الرابع على مستوى الجمهورية. هذا التكريم، الذي جاء برعاية الدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي، وبدعم من اللواء دكتور محمد الزملوط محافظ الوادي الجديد، كان تقديراً لمشروع التنمية البيئية الذي بدأ كحلم منذ 25 عاماً. هذا المشروع الذي أثبت أن الجمعيات الأهلية هي ذراع التنمية القوي بفضل تكاتف أهالي القرية وإخلاصهم
وتكتسب بشندي مكانتها الفنية من التزامها بجودة الخامة وتقنيات الصباغة الطبيعية، بدءًا من قصّ صوف الخراف الحية لضمان المتانة والمرونة مرورًا بعمليات الغزل والتجهيز الدقيقة، وصولًا إلى تثبيت الألوان بأساليب تحافظ على ثباتها مع الزمن والغسيل. بهذه المنظومة المتكاملة، لم تعد منتجات البشندي مجرد سجاد وكليم، بل قطعًا فنية تحمل هوية المكان وروح الصحراء
تجربة بشندي اليوم ليست قصة مصنع فقط، بل حكاية مجتمع كامل قرر أن يجعل من التراث قوة إنتاج، ومن العمل ثقافة، ومن الشراكة طريقًا للتميز؛ فامتد النجاح من النول إلى منصات التتويج الحكومي والرياضي، لتؤكد القرية أن التنمية
تبدأ من الإنسان.. وحين يُمنَح الثقة يصنع المعجزة
أسرار الجودة.. صوف الخراف "الحي"
فى بداية جولة الأهرام التعاونى الذى كشف الكثير من أسرار الحرفة اليدوية لصناعة السجاد والكليم أن السر يكمن في "الخيط" نفسه قبل أن يلمس النول حيث
أكدت فاطمة عمار سيد ، فنية السجاد بجمعية تنمية المجتمع بالبشندي ، أن الجودة الاستثنائية لمنتجات القرية تبدأ من "الخروف وهو حي" وتوضح فاطمة أنهم لا يعتمدون على صوف "الذبح"، بل يقصون وبر الخراف الحية كل 6 أشهر؛ لأن الصوف في هذه الحالة يكون قوياً ومفعماً بالحيوية، بخلاف صوف الذبح الذي يكون ضعيفاً وفاقداً لمرونته
لوحة الألوان: 8 درجات طبيعية وتثبيت بـ "الخل"
تستعرض "فاطمة" مهارة فرز الألوان، حيث يتم استخراج 8 ألوان طبيعية من صوف الخراف دون أي تدخل كيميائي، تتنوع بين الأبيض والأسود والرمادي والبيج. وفي حال الرغبة في ألوان زاهية (كالأحمر والأزرق)، يتم صباغة الصوف الأبيض والبيج باستخدام صبغات ثابتة تُغلى لمدة ساعة كاملة مع "روح الخل والملح"، لضمان ثبات اللون وعدم "بَهتانه" نهائياً مع الغسيل
من السجاد إلى اللوحات والشنط اليدوية
لا تتوقف مهارة أنامل البشندى عند السجاد فحسب بل تمتد لتشمل:
الكليم والبطاطين: التي تُصنع بخامات مرنة تناسب الاستخدام اليومي
الشنط واللوحات الجدارية : والتي تعتمد نفس خامة الكليم
السجاد الثقيل: وهو الأغلى والأكثر جهداً، حيث يتميز بخيوط أكثر كثافة ووزن أثقل من الكليم.
وعن الوقت الذي تستغرقه القطع الفنية، كشفت فاطمة أن أصغر قطعة (حوالي 70 سم في 170 سم) تستغرق 20 يوماً من العمل المتواصل، بينما تحتاج السجادة الكبيرة (2 في 3 أمتار) إلى شهر كامل من التركيز والدقة لتخرج كلوحة فنية متكاملة.
ألوان من قلب الطبيعة
في حلقة جديدة من داخل قلعة السجاد اليدوي بقرية بشندي، التقينا بالشابة فلفل عمار ، إحدى المبدعات في "جمعية تنمية المجتمع"، والتي كشفت لنا أن صناعة السجاد والكلم في القرية ليست مجرد مهنة، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من الطبيعة وتعود إليها
تؤكد "فلفل" أن العمل يبدأ بالتعامل المباشر مع صوف الخراف الخام، حيث يمر بعدة مراحل دقيقة:
الغسيل والفرز: يتم غسل الصوف جيداً ثم فرزه لونياً (كل لون على حدة)
التجهيز الآلي: يدخل الصوف في سلسلة من الماكينات؛ تبدأ بـ "التنفيض" (على مرحلتين)، ثم "التسريح" ليصبح ناعماً وانسيابياً، وصولاً إلى تحويله لـ "موبينة" ثم غزله كخيوط جاهزة للنسيج.
ما يميز سجاد البشندى هو اعتماده على "صبغات طبيعية" مستخلصة من البيئة المحيطة، حيث أوضحت فلفل عمار أنهم يستخدمون:
أوراق الشجر: مثل ورق الجوافة والزيتون
النباتات الصحراوية: مثل شوك النخل والكركديه والكركم
الألوان الطبيعية: الاستفادة من ألوان الصوف الطبيعية للخراف (الأبيض، البني، الرمادي، والبيج) دون أي تدخل كيميائي.
وعن كيفية رسم اللوحات المعقدة على النول، أشارت "فلفل" إلى أن العمل يعتمد على "تصميم" محدد يتم اتباعه بدقة، أو الاعتماد على الخبرة المتراكمة (الذاكرة) لتقسيم الخيوط وتوزيع الألوان.
وأضافت: "نحن نختار الألوان المتناسقة بعناية، وإذا طلب العميل تصميماً خاصاً، ننفذه بدقة متناهية تعتمد على حساب عدد الخيوط وتوزيع التصميم قبل بدء الشغل"
داخل أروقة الجمعية، يروي لنا الفني متولى سليم مراحل الإنتاج النهائية، موضحاً أن السجادة تمر برحلة شاقة تبدأ من غزل الصوف وصولاً إلى الغسيل وقص "الشعر" الزائد بالماكينة ثم الكي بالمكواة لإبراز تفاصيلها. ويؤكد أن سجادة بمساحة (2 × 1.5 متر) قد تستغرق 4 أشهر من العمل اليدوي الدقيق.
المرأة شريكة النجاح
تعد تجربة البشندى نموذجا فى تمكين المرأة أغلب العاملات من السيدات، وتتميز ساعات وأوقات العمل بالمرونة، إذ تبدأ صباحًا وتنتهي بعد العشاء، وكل سيدة لديها حرية في تحديد أوقات عملها، فيمكنها العمل صباحًا ثم العودة إلى المنزل للاهتمام بالأبناء والطهي، ثم العودة مرة أخرى لتكمل عملها، دون ضغوط أو مشاكل مع الزوج.
وهذه المرونة تشعرها بالحرية وتحمل المسئولية في ذات الوقت، فلا مجال للتقاعس أو الكسل، لأن أهل الواحات يقدسون العمل، ويعتبرونه جزء من حياتهم وكيانهم، وليس مجرد مجال لكسب الرزق فقط، بل هو مكون أساسي من ثقافتهم.
مدرسة الانتماء
في شهادة ملهمة تعكس روح الانتماء خلف نجاح "تجربة البشندي"، تحدث الشيخ زكريا محمد فرحات، إمام المسجد بالقرية، عن القيم والمبادئ التي أرساها مؤسس هذا الصرح التنموي، واصفاً إياه بـ "أيقونة القرية" الذي غرس في نفوس أبنائها قيم الوطنية والعمل قبل حرفة الغزل والنسيج كاشفاً أن مصنع السجاد الذي تراه العين اليوم بكل هيبته، بدأ بـ غرفة واحدة مستأجرة في بيت أحد المواطنين. وبفضل الإصرار، تطورت الفكرة لتصبح صرحاً يضم:
مشروعات بنية تحتية عملاقة (صرف صحي، نظافة، محطة مياه) بتمويل ومنح دولية
نموذجا فريداً أهّل القرية للحصول على المركز الرابع في التميز على مستوى جمهورية مصر العربية
روى إمام المسجد فلسفة إدارية فريدة تعلمها أهالي القرية من مؤسسها، وهي أن "الباب الذي ندخل منه للمصنع لا نرجع منه أبداً"، في إشارة رمزية إلى ضرورة المضي قدماً دائماً نحو التطوير وعدم الالتفات للخلف. وأكد أن الهدف لم يكن الربح فحسب، بل بناء إنسان يتمتع بـ "السلوك الطيب والمعاملة الحسنة"
وتوجه بالدعاء لمؤسس هذا الصرح بالشفاء، معتبراً أن كلماته وتوجيهاته بمثابة "أوامر" لجميع أبناء البشندى تقديراً لمكانته وتاريخه في تحويل قرية صغيرة إلى نموذج عالمي يُحتذى به
لم يتوقف طموح البشندي عند النول، بل امتد للملاعب؛ حيث أهدى شباب القرية فوزهم بالمركز الأول في المنافسات الرياضية للمحافظات الحدودية إلى "أيقونة الانتماء" الحاج عبد السلام.
هكذا تظل البشندى قصة مصرية ملهمة، تثبت أن المشاركة المجتمعية الصادقة قادرة على صنع المعجزات وتحويل الرمال إلى ذهب، والخيوط إلى لوحات عالمية ترفع اسم مصر عالياً

.

.

.

.

.