المرأة المصرية بصفة عامة، و«الفلاحة» بوصف خاص، امرأة عظيمة في دورها، عزيزة في تاريخها، علوية الجناب، تأسر ذاتها في العمل، تؤثر على نفسها ولا تشعر بخصاصة، مانعة فهي كريمة، غالية القيمة بنفائس في نفسها، معدنها أصلي، وإحساسها غير مغشوش، في دورها دروب خطّها القدر، تتعدد أدوارها فتمضي فيها وفق مسالك، تقطع مسافات وهي غير عاجزة، تصمد وهي تنصت، حتى الصعوبات والعقبات والتحديات لا تسلمها من مشكلة إلى معضلة، ولا تثنيها عن عزمها؛ فقوتها في صبرها، في جلدها، في حزمها، لا تتراجع.
يقع العبء عليها فتتحدى نفسها، وطموحها عين يقظى، رصيدها بالنظر والبصر لا ينفد، فتاريخ المرأة المصرية طويل عريض، رأسي وأفقي، ترجمات مشحونة بعظمة التاريخ وجمال الجغرافيا المصرية، مع بشرية جغرافية، جغرافية حياة. والحياة رسم في الفراغ، والرسم في الحياة امتلاء وإشباع.

رسوم لفنان فرنسي عاش فى مصر فى القرن التاسع عشر
المصريون القدماء جعلوا للزراعة آلهة نسوة، إيزيس آلهة الوفاء والفلاحة، وسخت آلهة الحقول، ورينينوتيت آلهة الحصاد والتغذية، إذن المرأة المصرية الفلاحة، شأنها شأن الرجل أو الذكور بالنوع، كانت منذ وجود الحياة على أرض مصر وإلى الآن، بالشبه والمشبه به ووجه الشبه في عملها، كشيخ البلد، شيخ الخفر، العمدة؛ حماية قرية نفسها، أي بيتها وأسرتها وحقلها.
يقول الشاعر المتنبي (915–965):
وما التأنيث لاسم الشمس عيب
ولا التذكير فخر للهلال
ولو أن النساء كما عرفنا
لفضلت النساء على الرجال
وفي هذا المقال نَزِف إلى المرأة الفلاحة، وإلى المرأة المصرية بصفة عامة، كتابًا؛ شهادة أنثى أكاديمية بحق الفلاحة المصرية، نطق بقَسَم العلم وأغلظ أكاديميته أمام منصة التاريخ.
الكتاب صدر منذ أربعين عامًا لمؤلفة بروفيسور أمريكية تحت عنوان: «نساء مصر في القرن التاسع عشر»
كتاب لا أدري لماذا غفل عنه البعض؟ ربما دون قصد، لكن ذلك يجعلهم من الناسين أو الغافلين. فقد بذلت مؤلفته جهدًا كريمًا غير شحيح، شأنًا عظيمًا غير متقازم، شأنًا عميقًا غواصًا في بحر الدراسة؛ فكان الصيد ثمينًا، والاصطياد مغنمًا علميًا مربحًا، ونحن نقف على شاطئ السطور لنقرأ هذا الكتاب.
المؤلفة الدكتورة جوديث تشارلز تاكر، أمريكية الجنسية، أستاذة التاريخ في جامعة جورج تاون، وزميلة مركز جامعة هارفارد لدراسات الشرق الأوسط. حصلت على الدكتوراه من مؤسسة فولبرايت، ومنحة من معهد الدراسات العربية في بلمونت – ماساتشوستس.
لها عدة مؤلفات عن المرأة، منها:
وغيرها من كتب المعالجة بنظريات علم الاجتماع.
تترأس تحرير المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، ومتزوجة من مواطن عربي شريف الموسي.
في كتابها هذا بنت أطروحتها على تصحيح التعميمات الشاملة والسائدة، بما فيها من تحيز جنسي، ونفت عن الإسلام شبهة أنه ضد المرأة، وناقشت المقولات النظرية التي ترى أن النساء مجرد أدوار هامشية لا تؤثر في المسار التاريخي، وعارضت التحيزات الغربية ضد العالم العربي.
ويتصدّى كتاب جوديث لعملية تنميط النساء الفلاحات المصريات باعتبارهن خاضعات للتحولات الاقتصادية والسياسية ومستسلمات بمنتهى السلبية لتلك الفترة التاريخية (القرن التاسع عشر).
وجوديث مغرمة بالأمثال الشعبية المصرية، تراها زبد خبرات وملخص حياة، بتعاملاتها الإيجابية والسلبية؛ لذا نراها في كل فصل تسوق مثلاً أو مثلين ثم تنطلق في بحثها الكتاب يقع فى خمسة فصول.

رسوم لفنان فرنسي عاش فى مصر فى القرن التاسع عشر
الفصل الأول: بعنوان ( المحراث والنصيب النساء والإنتاج الزراعي والملكية )
( النسا مفصل أعوج قال : لولاه أعوج ماكانش يضم )
( عمر النسا ما تربي عجل ويجري )
تؤكد جوديث تاكر: أنه على مدار القرن التاسع عشر ظلت مصر مجتمعا زراعيا أساسا حيث كان يتم إنتاج معظم ثروة البلاد فى الريف كما كانت غالبية السكان يعيشون في الريف، و كانت الفلاحة فى الأساس عضوة منتجة فى تلك الأسرة، فحياة الفلاحة حياة تنسج خيوطا عديدة فى أسرتها وكان عالمها مثله فى ذلك مثل عالم الفلاحين الرجال، أي كانت فاعلة وخاضعة فى مجال التقاليد والعادات والقواعد القانونية التي تحكم العلاقات داخل الأسرة.
وتري أن تاريخ مصر وخاصة النصف الثاني من القرن التاسع عشر يتقاطع مع التطور التاريخي للاستراتيجيات الاستعمارية البريطانية وسياساتها ففى عام ١٨٨٢ كان المسئولون البريطانيون هم الحكام الفعليون فى البلاد وكان الاستعمار الكولونيالي يعلي فى كل مكان قدرا من تشويه الأساس الاقتصادي لمصر أثناء خضوعها لمركز امبريالي ما، وهو خضوع كانت تستتبعه عملية تحول إجتماعي وسياسي ، وتؤكد جوديث دور الشعب المصري فى تحقيق النمو الشامل للبلاد فوجود تاريخ شعبي أو جماهيري باعتباره فوق كل شيئ هو تاريخ المقهورين وتاريخ ضحايا المسار التاريخي ، موضحة أنها رؤية تتضمن عنصرا من الحقيقة ؛ ولكنها تتجاهل الدور الفعلي الذي لعبه الشعب فى تشكيل هذا المسار.
كما عملت الفلاحة المصرية دوما فى الحقول لفترات طويلة مع بذل جهد شاق وهكذا شكلت النساء قدرا من فائض العمالة فى مجال الزراعة سواء القطع الزراعية الخاصة بالاسرة أو فى أرض الوسايا.
في عهد محمد على ممن عام ١٨٠٥ الي ١٨٤٨ تصاعدت معدلات نقص فى العمالة الزراعية، نظرا لتجنيد الذكور الفلاحين فأصبح عمل النساء مسألة محورية لا فيما يتعلق بالانتاج الزراعي، فحسب بل فى بناء البنية التحتية الريفية للبلاد، فعندما أدى التجنيد العسكري الموسع إلي إفراغ القري من رجالها فى عهد محمد علي تولت النساء أدوارا جديدة فى الزراعة كالعمل علي الشادوف وتسلق الأشجار بل قامت النساء بربط أنفسهن مكان الجاموس فى تدوير الساقية ، كما عملت الزوجات والبنات وزوجات الأبناء.
تنقل جوديث حديثا دار بين محمد علي ١٧٦٩ / ١٨٤٩ ميلادية وحفيده عباس حلمي الأول ١٨١٣ _ ١٨٥٤ ميلادية فى قصر الباشا بشبرا فقد روي عباس: فى أحد الأيام قال لي الحاكم محمد علي : ياعباس يجب علينا فرض العمالة علي النساء وأجبته بصراحة لعدم قدرتي على التحكم في نفسي : لقد رأيت النساء وهن يلدن عند السدود ثم يجبرن في عمل الفلاحة قام عباس بعد تسلمه الحكم بمنع تشغيل النساء فى السخرة وذلك عام ١٨٥١.
تذكر جوديث، أن عالم المرأة قد تشكل فى القرن التاسع عشر بمجموعة معقدة متداخلة من الواقع الاقتصادي والهيكلي الايديولوجي، وبحلول نهاية القرن التاسع عشر، أدت سياسات الدولة العثمانية مع مطالب التغلغل الرأسمالي إلى أحداث تشتت فى الريف المصري ، بسبب نزع الأراضي بين الاسر الفلاحة مع حركة الهجرة من الريف إلي المدن، وحرمان النساء من أملاكهن.

رسوم لفنان فرنسي عاش فى مصر فى القرن التاسع عشر
فى الفصل الثاني: بعنوان ( المغازل والأغاني للنساء )
تضع جوديث هذين المثلين الشعبيين :
(حطت لقمة فى الطاقة وقالت ياستي حسنة )
( لولا النقر والنشارة كانت النساء اتعلمت التجارة )
تقول جوديث : إن اقتصاد السوق المتطور فى مصر فى القرن التاسع عشر والذي شاركت فيه النساء منتجات وتاجرات منح النساء استقلالا اقتصاديا وأساليب التعامل مع العالم خارج البيت كما طورن احساسهن بأنفسهن باعتبارهن منتجات اقتصاديا مستقلات وجامعات برءوس الأموال الصغيرة ، ونظرا لكونهن مؤهلات لذلك كان في وسعهن اللجوء إلى المحاكم الشرعية بقدر من الثقة دفاعا عن أملاكهن وحقوقهن في الميراث وعن طريق سجلات المحاكم نشهد بوضوح الدور الذي لعبته النساء تقريبا في جميع أوجه الاقتصاد المصري من النشاط التجاري الصغير إلي إدارة الوقف والالتزام ، فالنشاط النسائي فى الإنتاج والتوزيع والخدمات ، فالتحول السريع إلى المجتمع الحضري فى النصف الثاني من القرن ادي إلي زيادة الطلب على خادمات المنازل وكل أنواع القائمات بالخياطة وتصفيف الشعر.
تحدثت جوديث عن مغنيات القرن التاسع عشر حيث كتبت : يطلق عليهن اسم عالمة، وقد اكتسبن هذا اللقب تعلمهن أكثر مشقة من غيرهن من النساء ويشكلن مجتمعا متميزا فى البلاد، وفي سبيل الإنضمام إليهن يجب على المرأة أن تتمتع بصوت جميل وقدرة لغوية ومعرفة بقواعد الشعر مع صياغته وفقا لموقف ما وتحفظ العوالم كل الأغاني الجديدة كما أن ذاكرتهن مزودة باجمل المواويل واحلى الحكايات ولا يوجد احتفال من دونهن ولا احتفالية دون أن تتزين بوجودهن، و مع تقلص دور النساء فى المجتمع الحضري تركت النساء العاملات فى ذلك العالم الخاص بالخدمات العابرة والشبكات غير الرسمية.

رسوم لفنان فرنسي عاش فى مصر فى القرن التاسع عشر
في الفصل الثالث المعنون :
الحياة الخاصة والعامة النساء ونمو الدولة تترك جوديث بصمة المثل الشعبي ( إيه يحرر النسا ؟ قال : بعد الرجال عنهم )
مع تسارع خطا التدخل الرأسمالي ضعفت المؤسسات العائلية والتعاونية دون تزامنها بالضرورة مع نشأة أشكال بديلة من الدعم الاجتماعى، وعلي مدارقرن من الزمان، لانري نشأ ة مؤسسات اجتماعية وليدة تابعة للدولة، استجابة فى الأساس إلي الحاجة الماسة إلي العون والمساعدة .
تشير المؤلفة إلى، إن عمل النساء لم يكن مقننا تماما داخل الأعمال الخدمية، بل عملهن يحصلن عليه من خلال العلاقات غيرالرسمية، مثل تلاقي النساء عند سبيل المياه فى الشوارع وفي الحمامات، التى تمثل مؤسسة اجتماعية كبرى للنساء، كما كانت مؤسسات الطرق الصوفية مصدرا للعلاقات والمعلومات والاتصالات النسائية.
وفبيي الفصل الرابع تحت عنوان : النساء والمقاومة والقمع
( راحت تاخد بتار أبوها رجعت حبلة ) تقول المؤلفة :
تفاقمت مشكلة هجرة الفلاحين المستمرة وازدادت حدتها حسب ميل النساء والأطفال إلي ترك القرية للحاق بالرجال المجندين فعندما يتم إبعاد الرجال عن القرية بفعل التجنيد فيخلق ذلك نوعا من التمرد اللحظي بين النساء من سكان تلك القري وعندما يسام الرجال مكبلين بالحديد، يذهبن النساء خلفهن، ولقد علق القنصل البريطاني علي ذلك بقوله: عندما يعسكر الجنود يتم اقامة قرية من النساء بنفس سرعة اقامة ثكنات للرجال.
كما شاركت النساء والرجال في أعمال التمرد: فى الريف وانتفاضات المدن، ففى الريف ضد العمل بالسخرة والتجنيد العسكري وفرض الضرائب وفقد الأراضي وتراجع حرف المنسوجات فاستيلاء محمد على على محصول الحبوب عام ١٨١٢ عجل بحدوث أول تمرد كبير ابان حكمه، فالفلاحون فى صعيد مصر قاموا بعدة تمردات ومنها ذلك التمرد الذي قاده " أحمد الطيب "وهوجد شيخ الأزهر الحالى ( الدكتور أحمد الطيب ) وذلك فى قنا عام ١٨٦٥، وكان حضور النساء الفلاحات حضوراً محسوساً وقوياً رغم قيام المحتل ببقر بطون الحوامل واغتصاب بعض الفلاحات، وأدى ذلك إلي استنزاف العمالة وتدمير المحاصيل الزراعية، مما ترك أثارا من التخريب المخيف والبؤس الشديد للريف.
وتضيف جوديث: في منا طق الحضر لعبت النساء دورا فى الانخراط فى لحظات التمرد الحضري، فبائعات الخضار قمن بتظاهرات ضد البكوات وأتبا عهم عام ١٨٧٠، وأثناء الصراع مع اسطنبول عام ١٨٤٠ أرسلت الشرطة متنكرين فى ملابس مدنية للقبض على النساء، اللاتي ينشرن معلومات خاطئة أو يقمن باثارة مشاعر ضد الحكومة وفي عام ١٨٦٣ وأثناء زيارة السلطان العثماني إلي مصر قرر الخديوي، منع النساء من الخروج من بيوتهن، كما أدت المعاناة التى عاشتها النساء إلي إرتفاع معدلات الجريمة وتفشي الغياب الأمني.
وفي الفصل الخامس والأخير الذي عنوانه : ممارسة الرق والنساء
( حاجة البنت فى الصندوق وحاجة الجارية فى السوق )
انتشرت في مصر الجواري البيض والجواري السودوات، حيث كانت تجارة العبيد وجلبهم إلي مصر تمثل تجارة رائجة في البلاد يقبل عليها الأثرياء البشوات، ويبدو أن هذه التجارة العبدية أغرت فتيات جواري بيضاوات على الوقوع فى حضن تلك التجارة هربا من حزن حضن أقربائهن اليونانيين في اليونان، لذا تؤكد جوديث إن الكثير من اليونانيات رفضن التحرر ، حيث يبدو أنهن فضلن الرق الأنيق علي حرية الفقر فى وطنهن .
تقول المؤلفة : انتشرالرق في مصر والبيوت المصرية كثر فيها الجواري كخادمات، وعن تشغيل بعض الجواري السودوات فى العمل الزراعي تري جوديث ، إنها مسألة محل الجدل فلا يتوافر سوي القليل من الدليل، فلم. يكن للعبودية فى مصر كمؤسسة منزلية حيث أخذت مؤسسة الرق تنهار تدريجيا علي مدار القرن التاسع عشر، فقامت الدولة بتجريم الرق فكانت اتفاقية ١٨٧٧ عجلت بإنهاء نظام الرق فى مصر، بل حصلت جاريات علي الاعتراف بكونهن أمهات شرعيات تتمتعن بحقوق فى ثروة الاسر ة، وتحركت جاريات للحصول على مزيد من الحقوق التي منحها لهن القانون باللجوء إلي المحاكم من أجل الإعتراف بأطفالهن أو الحصول على وضع أم الولد.
وفى الخاتمة تقول جوديث تاكر : لقد عاشت نساء الطبقات الدنيا في الريف والحضر فى مصر فترة من التحول السياسى والاجتماعي من عام ١٨٠٠ الي عام ١٩١٤، فقد دعمت القوانين الإسلامية حق التملك وبوضعهن وريثات لأملاك العائلة، كما أن اسهامات النساء فى الزراعة أوالحرف التقليدية لم تشهد تراجعا.
مشيرة إلي ، أن الايديولوجيا المحددة لحياة النساء الاقتصادية والاجتماعية لم تكن عبارة عن بنية مستقلة فى ذاتها تماما محصنة ضد التغيير، بل تكيفت مع الواقع الإجتماعي المتحول دون أى أدلة على قيام انفصام جذري عن تصورات وممارسات الماضي ، فقد قامت النساء أنفسهن بمساهمة كبيرة فى تشكيل تاريخهن من خلال مشاركتهن النشطة فى سياسات الشارع والمعارك فى المحاكم ، وفى الشبكات الإجتماعية القائمة فى تلك الفترة من الزمان.
وفي النهاية لابد من الإشادة بدورعظيم قامت به المترجمة، الدكتورة هالة كمال بقسم اللغة الانجليزية كلية الآداب جامعة القاهرة، حيث يعد هذا الكتاب وغيره، من كتب منجز عملها العظيم، فهى سبق لها ترجمة كتب عن النساء والجنوسة وعلاقة ذلك بالإسلام ، تحية للدكتورة هالة كمال ، تحية مثمنة بتجلة التعظيم والتوقير.
فترجمتها لكتاب "نساء مصر فى القرن التاسع عشر " ترجمة صنعت من الشاق سهلا ومن سلطة الكتابة الأكاديمية طريقا ممهدا معبدا تلتقي فيه الفكرة، ودرجات المعني مع المتلقي بغيرصعوبة نزول دركات إلي جهنم اللافهم ، بل ترجمة الدكتورة هالة كمال كانت بسهولة ويسر ، لا صعوبة برطانة لغة، بل لغة أجنبية هذبتها لغة عربية، صياغة واعية من الدكتورة هالة كمال.