د. عاطف الصغير
تشهد الزراعة العالمية في الفترة الحالية ثورة حقيقية غيرت شكل العمل داخل الحقول من أساليب تقليدية تعتمد على الخبرة والملاحظة إلى أنظمة ذكية تستند إلى التكنولوجيا والتحليل الدقيق للبيانات.
لم تعد العمليات الزراعية ثقافة محلية رهينة المناخ أو التجربة الشخصية، بل أصبحت هناك أدوات تساعد المزارعين على معرفة حالة التربة والمحصول والآفات ومعدلات استهلاك المياه والأسمدة وحتى توقع الإنتاج قبل الحصاد.
ويطلق على هذا الاتجاه "الزراعة الذكية"، وهو مفهوم لم يعد خيارًا تجريبيًا في الدول المتقدمة فقط، بل أصبح ضرورة ملحة في العالم العربي أيضًا، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الموارد المائية واشتداد المنافسة في الأسواق الزراعية.
كيف تعمل الزراعة الذكية؟
تعتمد الزراعة الذكية على استخدام ادوات ووسائل التكنولوجيا الحديثة على مستويات متعددة، مثل أجهزة الاستشعار الأرضية، البيانات الجوية الدقيقة، الأقمار الصناعية، الطائرات بدون طيار، الذكاء الاصطناعي، وتطبيقات الهاتف الذكية.
ويعتبر الهدف الأساسي منها هو تحسين القرارات الزراعية، وتقليل الهدر في الموارد، وتجنب الخسائر قبل حدوثها، وزيادة الإنتاجية دون إضافة أعباء مالية كبيرة.
ولعل أبرز مميزات الزراعة الذكية أنها لا تتطلب دائمًا أن يكون المزارع خبيرًا تقنيًا، بل إن التكنولوجيا الحديثة أصبحت مبنية على واجهات مستخدم بسيطة يستطيع أي مزارع التعامل معها بسهولة.
تحدي المستقبل
تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن العالم يحتاج إلى زيادة الإنتاج الغذائي بنسبة 60% بحلول عام 2050 لتغطية احتياجات سكان العالم الذين سيصل عددهم إلى نحو 9.7 مليار نسمة.
هذه الزيادة لا يمكن تحقيقها عبر التوسع الأفقي في الزراعة، لأن الأراضي الزراعية في تناقص مستمر، فضلًا عن تنافس قطاعات الصناعة والعمران على المساحات المتاحة، فضلا عن التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية ومعوقات سلاسل الامداد والتوريد محليا وعالميا.
وهنا تأتي الزراعة الذكية كحل واقعي لرفع إنتاجية ذات المساحة مع تقديم رؤية واقعية حول سبل التكيف متعدد المستويات وصولا للإنتاج الامثل.
ووفقًا لتقرير البنك الدولي، فإن تطبيق تقنيات الزراعة الرقمية يمكن أن يرفع إنتاجية بعض المحاصيل بنسبة تتراوح بين 15% و30%، بينما يمكن أن يوفر في تكاليف الانتاج كالري والأسمدة والمبيدات بنسبة تصل إلى 40%.
الري الذكي
أحد أهم الجوانب التي أحدثت فيها التكنولوجيا فرقًا واضحًا هي إدارة الري. فكثير من المزارعين في العالم العربي يهدرون كميات كبيرة من المياه بسبب الري العشوائي أو استخدام عدد ثابت من ساعات الري دون مراعاة احتياجات النبات الفعلية.
وقد أظهرت دراسات صادرة عن المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) أن استخدام حساسات الرطوبة في التربة يمكن أن يقلل استهلاك المياه بنسبة 30% إلى 50% دون أي تأثير سلبي على الإنتاج، بل بالعكس يزيد غالبًا من الإنتاجية بسبب تجنب الإجهاد المائي للنبات.
وفي بعض المزارع الأوروبية التي تستخدم شبكات الري الذكي المتصلة في الوقت الفعلي بالهاتف المحمول، انخفض استهلاك المياه إلى أقل من نصف الكميات التقليدية، مع زيادة الإنتاج بنسبة وصلت إلى 25% في بعض المحاصيل.
مكافحة الآفات
أما في مجال مكافحة الآفات، فلطالما كانت المبيدات تشكل عبئًا ماديًا وصحيًا على المزارع والمستهلك والبيئة. ومع التطورات التقنية، أصبح من الممكن تركيب أجهزة استشعار في الحقول تقيس الحرارة والرطوبة ونشاط الحشرات، بل أصبح بعضها قادرًا على إصدار إنذار فوري عند بدء الإصابة.
ووفقًا لدراسة نشرتها جامعة كاليفورنيا عام 2023، فإن استخدام أنظمة الإنذار المبكر خفّض استهلاك المبيدات في الحقول التجارية بنسبة 35% مع الحفاظ على جودة المحصول.
وفي الصين، حيث انتشرت الطائرات بدون طيار في رش المحاصيل بشكل كبير، انخفض استخدام المبيدات بنسبة 30% مقارنة بالرش اليدوي، كما انخفض الوقت اللازم لتغطية الهكتار الواحد من 45 دقيقة إلى أقل من عشر دقائق.
الرصد الذكي للمحاصيل
وتتجلى أهمية التكنولوجيا أيضًا في متابعة المحصول أثناء النمو، ففي السابق لم يكن المزارع يلاحظ مشكلة مثل نقص العناصر أو إصابة فطرية إلا بعد تفاقمها، مما يؤدي إلى فقدان جزء كبير من المحصول. أما اليوم، فيمكن باستخدام الأقمار الصناعية أو التصوير الجوي بالطائرات بدون طيار، الحصول على خرائط حرارية وملونة توضح اختلاف النمو في كل جزء من الحقل.
وتوفر هذه الصور بيانات دقيقة تساعد في التدخل العلاجي السريع. وقد أثبتت التجارب في مصر، التي توسعت في استخدام صور الأقمار الصناعية ونظم الزراعة الرقمية خلال السنوات الأخيرة، أن الاعتماد على نظم المتابعة الجوية للمحاصيل ساهم في رفع متوسط إنتاج بعض المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة بنسب تراوحت بين 12–17% بفضل التدخل المبكر وتوزيع الموارد بشكل أكثر كفاءة.
الزراعة الدقيقة
هي إحدى المفاهيم الهامة التي تعززها الزراعة الذكية، والتي تعتمد على فكرة أن الحقل ليس وحدة واحدة متجانسة، بل قد تختلف احتياجات كل جزء منه في الرطوبة والخصوبة والتسميد. لذلك فإن تطبيق معدل واحد من الأسمدة أو المياه على الحقل بأكمله لا يكون حلًا مثاليًا.
ومع انتشار أجهزة الاستشعار والخرائط الجوية، أصبح من الممكن تسميد أو ري كل منطقة حسب احتياجاتها.
وقد حققت هذه الطريقة نجاحات واسعة في استراليا، حيث ارتفعت كفاءة استخدام الأسمدة بنسبة 22%، وفي فرنسا حيث زادت كفاءة استخدام المياه بنسبة 28%.
العالم العربي على خريطة المستقبل
ورغم أن هذه التقنيات متقدمة، فإنها ليست بعيدة عن متناول المزارعين في العالم العربي كما يبدو. ففي مصر والمغرب والسعودية والإمارات بدأت بالفعل تجارب واسعة لتطبيق الري الذكي وتحليل بيانات المحاصيل بالاستشعار عن بعد. وأطلقت العديد من المنظمات المحلية والدولية تطبيقات مجانية يمكن لأي مزارع بسيط تحميلها على هاتفه للحصول على نصائح حول مواعيد الري والتسميد والتغيرات المناخية. بل إن بعض الشركات العربية بدأت تصنيع حساسات محلية منخفضة التكلفة تناسب المزارع العادية وتعمل بإرسال البيانات مباشرة إلى الهاتف عبر الرسائل النصية أو الإنترنت.
الاستثمار العالمي في الزراعة القائمة على البيانات
وتشير تقارير السوق العالمية إلى أن حجم الاستثمار في الزراعة الذكية تخطى 18 مليار دولار عام 2024، ومتوقع أن يصل إلى 34 مليار دولار بحلول 2030، مما يدل على أن العالم يتجه بقوة نحو زراعة لا تعتمد على التخمين والعشوائية، بل على التحليل والقياس واتخاذ القرار المبني على البيانات.
هذه التحولات لا تهدف فقط إلى زيادة الإنتاج بل إلى ضمان أمن غذائي يمكن الاعتماد عليه في ظل تقلبات المناخ ونقص الموارد الطبيعية. وعليه، يمكن القول إن الزراعة الذكية ليست رفاهية ولا مجرد اتجاه عصري، بل ضرورة ملحة لمزارعي اليوم، خصوصًا في الدول العربية حيث تواجه الزراعة تحديات كبيرة تتعلق بندرة المياه وارتفاع أسعار المدخلات وضعف هوامش الربح. التكنولوجيا توفر للمزارع المعلومات التي كان يفتقدها، وتمكنه من اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب دون زيادة التكاليف أو المخاطرة الإنتاجية.
وحتى لو بدأ المزارع بأبسط الأدوات مثل تطبيق على الهاتف أو حساس واحد في التربة، فإنه يكون قد خطا خطوة مهمة نحو زراعة أكثر ربحية واستدامة وقادرة على مواجهة المستقبل بثقة.