رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

الإصلاح الزراعي والتوجه نحو الجيل الثالث من التعاونيات الاستثمارية


  • 5-2-2026 | 14:59

.

طباعة

أ.د. فوزي محمد أبودنيا مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقًا

في إطار السعي لتحقيق إصلاح زراعي على المستوى القومي تحدثنا في المقالة السابقة عن مقارنة بين النموذج الزراعي الاجتماعي (الناصري) القائم على العدالة وتمكين الفلاح كمالك، والنموذج الاستثماري الحالي (مستقبل مصر) الذي يركّز على الكفاءة والريع.

وأوضحنا أن الأول أدّى إلى تفتت الحيازة وضعف الإنتاجية، بينما يحقق الثاني إنجازات في البنية التحتية لكنه يهدد الاستقرارالاجتماعي ويقصي صغار المزارعين.

وفى هذه المقالة ندعو إلى نموذج أخر هجين مقترح يجمع بين الكفاءة التقنية والعدالة الاجتماعية لضمان أمن غذائي مستدام دون تفكيك النسيج الريفي.

إلا أن هناك طرح مختلف من منظور أخر نعتبره أكثر كفاءة.

ففي ظل التحولات الجذرية التي تشهدها الزراعة المصرية اليوم، يبرز سؤال استراتيجي، كيف نبني نظامًا زراعيًّا يجمع بين الكفاءة التقنية التي يفرضها الواقع المائي والمناخي، وبين العدالة الاجتماعية التي تستند إلى تمكين الفلاح لا إقصائه.

في الواقع فان الإجابات الجزئية أو العودة إلى النماذج السابقة لم تعد كافية.

بل إن الحل يكمن في تطوير نموذج هجين مبتكر يتجاوز ثنائية التمليك مقابل الريع، ويطرح التعاونيات الزراعية الاستثمارية المتكاملة كجيل ثالث من التنظيم الزراعي يكون قادر على المنافسة عالميًّا، وملتزم بالأمن الغذائي محليًّا.

أولاً: تشخيص الفشل التاريخي والفرصة الحالية: لقد فشلت التجارب السابقة في تحقيق التوازن المطلوب. فالنموذج الناصري، رغم عدالته التوزيعية، خلق تفتيتًا هيكلياً في الحيازة والإدارة، ما أعاق الميكنة ورفع تكاليف الإنتاج.

أما النموذج الحالي ممثلا في جهاز مستقبل مصر، فقد حقق قفزات في البنية التحتية والسرعة، لكنه سوف يحوّل الفلاح إلى عامل أجير في مشروعات كبرى، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي ويُضعف الجذور الريفية للزراعة.

والخلل الأعمق لا يكمن في تقسيم الأرض كما طرحنا في النموذج السابق فحسب (توزيع خمسة أفدنة كحق انتفاع)، بل في تفتيت القرار الفني.

فحتى لو بقيت المساحة موحدة شكليًّا، فإن السماح لكل فرد باتخاذ قرارات مستقلة حول الري أو البذور داخل دائرة ري واحدة يؤدي إلى كارثة تشغيلية تتمثل في ملوحة التربة، هدر المياه، وتباين الجودة.

ومن هنا، فإن الحل ليس في إعادة التمليك، بل في توحيد الإدارة مع مشاركة المجتمع ماليًّا وتقنيًّا.

ثانياً: تطبيق الجيل الثالث من التعاونيات الزراعية كنموذج للتعاونية المتكاملة الرؤية هنا تقترح إنشاء تعاونيات زراعية استثمارية متكاملة على مساحات لا تقل عن 1000 فدان لكنها قد تزيد، تدار كوحدة إنتاجية واحدة، مع تحويل العلاقة بين الفلاح والدولة من علاقة أرض إلى علاقة أسهم وإنتاج.

ويقوم هذا النموذج على ثلاثة أركان أساسية تتمثل في:

  • الهيكل التنظيمي والإنتاجي وحدة الإنتاج النباتي والتي تختص بزراعة المحاصيل الاستراتيجية (قمح، ذرة) والتصديرية (موالح، خضروات) بميكنة شاملة.
  • وحدة التصنيع الزراعي والتي يقترح أن تُنشأ داخل التعاونية مثل وحدات لفرز، تعبئة، تجفيف، استخلاص زيوت، أو تصنيع منتجات ألبان لتحقيق قيمة مضافة بدلاً من تصدير المحصول خامًا.
  • وحدة الإنتاج الحيواني والتي تستفيد من المتبقيات الزراعية في تغذية الماشية، مكونة دورة اقتصادية مغلقة تقلل الفاقد وتعزز الكفاءة.

نموذج الملكية والإدارة والمساهمة الإنتاجية في هذا النموذج لا يقتصر على نشاط واحد إنما على أنشطة زراعية متكاملة تقلل المخاطر وتزيد العوائد وتكثف وتنوع الإنتاج على وحدة المساحة. ويتميز هذا النموذج بانه لا تقسيم للأرض، بل توزيع للأسهم.

حيث يُمنح كل مشارك صك ملكية إنتاجية يعادل عائد 5 أفدنة، دون أن يملك حدودًا جغرافية. الإدارة الفنية تكون مركزية ولا يحق لأي فرد فتح صنبور الري أو اختيار البذور؛ بل يتم ذلك آليًّا عبر أنظمة الزراعة الدقيقة Precision Farming.

وفى هذا النموذج المقترح يعتبر الفلاح شريك مساهم ومشغّل تقني حيث يعمل في أحد أنشطة التعاونية (زراعة، تصنيع، صيانة) حسب خبرته ورغبته، ويحصل على حوافز مرتبطة بالأداء، لا على الأجر فقط.

هيكل العوائد ثلاثية الفوز (Win-Win-Win) حيث يتمثل هيكل العوائد الثلاثية في ثلاثة مشاركين أساسيين يمثلون النموذج الإنتاجي بشكل أو بأخر وهم:

– بالنسبة للفرد: دخل ثابت من العمل بجانب حصة من الأرباح السنوية وأيضا تأمين صحي ومعاش تقاعدي عبر صندوق تكافل تعاوني.

– بالنسبة للدولة: ضمان زراعة المحاصيل الاستراتيجية مع تحصيل إيجار سيادي ورسوم خدمات وتقليل فاتورة الاستيراد.

– بالنسبة للقطاع الزراعي: منع التفتت نهائيا، واستدامة الموارد عبر إدارة علمية موحدة.

ثالثاً: اللائحة الوطنية المقترحة لإدارة تلك النموذج من التعاونيات لإضفاء الطابع المؤسسي على هذا النموذج، فإننا نقترح لائحة عمل وطنية تشمل على مجموعة من المواد التي يمكن إيجازها في النقاط التالية:

– المادة الأولى: حيث تتمركز فلسفة النموذج على توحيد الأرض ككتلة إنتاجية غير قابلة للتفتت، مع توزيع العوائد بين الدولة (40%) والأفراد (60%).

– المادة الثانية: والتي تختص بالإدارة حيث يشكل مجلس إدارة مختلط (خبراء مع ممثلين منتخبين)، وقرارات فنية مركزية إلزامية.

– المادة الثالثة: وتختص بالحماية المدنية من خلال ثلاث مصادر دخل، تتمثل في تأمين اجتماعي يعوّض عن غياب الملكية الفردية.

– المادة الرابعة: تنظيم المنتجات الزراعية بإلزام التعاونيات بزراعة نسب محددة من القمح والذرة.

– المادة الخامسة: والتي تختص بسلاسل القيمة من خلال التكامل الصناعي بمنع تصدير أي محصول خام دون تصنيع أولي.

– المادة السادسة: والتي تختص بالشفافية من خلال رقابة مالية مركزية ومنصة رقمية لرصد الإنتاج لحظيًّا.

– المادة السابعة: والتي تضمن الاستمرارية أو سحب الأسهم من أي عضو يحاول تفتيت النظام، مع تعويضه ماليًّا.

وفى النهاية يمكن البناء على هذه البنود واستكمالها في إطار قانونيا ضمن القوانين المنظمة للزراعة المصرية.

رابعاً: لماذا هذا النموذج هو الطريق الثالث؟

يعالج هذا النموذج عدة محاور أساسية في المجال الزراعي لأنه يحل التناقض الجوهري الذي عانت منه السياسات الزراعية طوال عقود من حيث انه ليس نموذجًا اجتماعيًّا تقليديًّا يخلق فلاحًا مالكًا لكنه فقير تقنيًّا.

وأيضا وليس نموذجًا رأسماليًّا جافًّا يخلق أرضًا غنية لكن بلا فلاحين. بالإضافة الى انه نموذج تكاملي يوحد الأرض، ويُوحّد الإدارة، ويُشرك المجتمع كشريك إنتاجي ومستثمر صغير. بجانب ذلك فإنه يُمكّن الدولة من التحكم في العلاقة بين السكان والموارد، إذ يصبح التعداد السكاني مرتبطًا بفرص العمل الحقيقية في التعاونيات، لا بالتمدد العشوائي الذي لا يراعي حدود الموارد.

في حقيقة الأمر فان التحول المطلوب اليوم ليس مجرد تحديث تقني، بل إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والأرض والدولة.

نموذج التعاونيات الاستثمارية المتكاملة يحوّل مستقبل مصر من جهاز ريعي يدير مزارع مفتوحة، إلى حاضنة وطنية تُنتج غذاءً، وتوظّف شبابًا، وتصنع قيمة، وتحمي البيئة. هو بذلك لا يحقق الأمن الغذائي فحسب، بل يبني ريفًا جديدًا ليس فيه فلاحون مُقصَون، بل مهندسو إنتاج، وصناعيون، ومساهمون في اقتصاد وطني مزدهر.

اخر اصدار