شهر مبارك بين شهرين كريمين مباركين أحدهما حرام والآخر عظيم.
شهر شعبان بين شهر رجب وشهر رمضان يغفل عنه كثير من الناس وهذا كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عندما رآه الصحابة يكثر من الصيام ومن الصلاة فسألوه: لما يا رسول الله؟ فقال هذا شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان وترفع فيه الأعمال فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم.
فدلنا النبي صلى الله عليه وسلم على أن زيادة الأعمال التطوعية والنفل يعد زلفى إلى الله وتقربا منه سبحانه وتعالى لأن زيادة النوافل من كمال الفرائض فلا تكتمل الفرائض وحدها ولا يستطيع أحد أن يقدم فرضا من الفروض خالصا مقبولا إلا أن يكون مشفوعا بنافلة.. فقد أخبرنا الله في الحديث القدسي أنه ما تقرب عبد إلى الله بأحب مما افترضه الله عليه وما زال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل حتى يحبه الله فإن أحبه الله كان سمعه وبصره ويده ورجله ولئن دعاه لاستجاب له وإن استعاذ به أعاذه.
لذلك كان يكثر النبي صلى الله عليه وسلم من النوافل كالصيام والصلاة والصدقة والعمرة وكل القربات إلى الله تعالى.
كما حثنا نبينا صلى الله عليه وسلّم على عدم الغفلة فإن هذه الغفله قد تؤدي إلى إلف العبادة.. وهو أن تكون العبادة عبارة عن شعيرة أو طقوس يؤديها العبد ظاهريا.. فإذا صلى قام بحركات الصلاة ولم يستشعر أن قلبه غافل لاه.. ولا يدري أنه قد ضيع أعظم ما يمكن أن يضيع.. فإن العبد إذا دخل في الصلاة نصب الله وجهه قبال وجهه فإذا التفت العبد التفت الله، والتفات العبد إما بالقلب أو الجوارح، فقد ينشغل القلب عن معنى الصلاه والخشوع وعمن هو واقف بين يديه فتصبح العبادة عادة ونألف عملها فتكون الصلاة عادة والصيام عادة والصدقات عادة حتى تفرغ العبادة من مضمونها وتصبح شكليات.. أمور ظاهرة أما البواطن فيعلمها الله.. فكيف نحسن ما يراه الناس ولا نهتم بما يراه الله ويعلم محتواه.. فالله يعلم ظاهر القول وباطنه ويعلم ما نخفي وما نعلن.
إذا فما العمل كي لا نقع في هذه الغفله أو إن وقعنا فيها فكيف نعالجها؟ تأتى الإجابة من الله سبحانه تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف:205].
وأيضا بالتوبة النصوح التي أمر الله بها المسلمين جميعا ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[ التحريم: 8]
ولهذا جعل الله هذا الشهر الكريم.. شهر شعبان.. تدريبا وتجهيزا لشهر عظيم فيه ليلة القدر التي فيها تقدر أعمال السنة القادمة وتحصد فيها أعمال السنة الفائتة الماضية..
فلا بد أن يستعد العبد بقلب منيب سليم عال الهمة حتى يكون محل رحمة الله تعالى وتوفيقه في شهر رمضان، فيؤدي كل ما فيه بخشوع وخضوع وتدبر لكل عبادة يتعبد بها حتى يخرج من هذا الشهر من الفائزين المقبولين.