حديثًا تُعد البصمة النيتروجينية (Nitrogen Footprint) إحدى المقاييس البيئية الهامة والتي تهدف إلى تقييم كمية النيتروجين التفاعلي (Reactive Nitrogen – Nr) الذي يُطلق إلى البيئة نتيجة الأنشطة البشرية، خاصة في قطاعات الزراعة، الصناعة، واستهلاك الطاقة. وعلى غرار البصمة الكربونية التي ركّزت على انبعاثات الغازات الدفيئة، تسعى البصمة النيتروجينية إلى تسليط الضوء على أحد أخطر اختلالات الدورات البيوجيوكيميائية على كوكب الأرض، حيث أن إفراط الإنسان في تحويل النيتروجين الجوي الخامل (N₂) إلى أشكال تفاعلية مثل الأمونيا (NH₃)، وأكاسيد النيتروجين (NOₓ)، والنترات(NO₃⁻) . هذه المركبات، رغم أهميتها في إنتاج الغذاء، تتحول إلى ملوثات خطيرة عند تجاوز الحدود الطبيعية لقدرة النظام البيئي على امتصاصها. تكمن أهمية البصمة النيتروجينية في أنها تكشف عن تأثيرات بيئية لا تغطيها البصمة الكربونية، مثل تلوث المياه الجوفية بالنترات، الذي يهدد صحة الإنسان ويسبب مشاكل مثل مرض "الطفل الأزرق"، وكذلك التخصيب المفرط (Eutrophication) في المجاري المائية والبحيرات، مما يؤدي إلى نفوق الأسماك وتدهور التنوع البيولوجي. كما أن انبعاثات الأمونيا تساهم في تكوين الجسيمات الدقيقةParticulate Matter (PM2.5) التي تؤثر سلبًا على جودة الهواء والصحة التنفسية. بالإضافة إلى ذلك، يُعد أكسيد النيتروز (N₂O)الذي يظهر في كل من البصمتين أحد أقوى الغازات الدفيئة، بفعالية احترار تفوق ثاني أكسيد الكربون بـ 265 مرة.
يتم حساب البصمة النيتروجينية عادةً عبر تتبع تدفقات النيتروجين عبر سلسلة القيمة، بدءًا من إدخال الأسمدة أو العلف، مرورًا باستيعابه في الكائنات الحية، وانتهاءً بفقدانه إلى البيئة عبر التطاير، التسرب، أو التحول الغازي. ويعتمد الحساب على معادلة بسيطة:
البصمة النيتروجينية = النيتروجين الداخل − النيتروجين المحتفظ به في المنتج النهائي.
وتُعبّر النتيجة بوحدة كيلوجرام من النيتروجين التفاعلي (kg Nr)، مما يسمح بمقارنة الأنظمة المختلفة أو تقييم فعالية التدخلات الإدارية.
على الرغم من وضوح فوائدها، فإن البصمة النيتروجينية لم تحظَ بعد بالانتشار الواسع الذي نالته البصمة الكربونية، وذلك لعدة أسباب. أولًا، التعقيد البيئي حيث أن النيتروجين يتحرك عبر وسائط متعددة (هواء، ماء، تربة)، مما يجعل تتبعه أصعب من تتبع الكربون الذي يتركز في الغازات. ثانيًا، يعتبر نقص البيانات المحلية أحد معوقات القياس، فعلى عكس انبعاثات CO₂ التي تُقاس عالميًّا بمعايير موحدة (مثلIPCC)، فإن معدلات فقدان Nr تختلف بشكل كبير حسب المناخ، نوع التربة، ونظام إدارة المخلفات خاصة في الدول النامية. ثالثًا، غياب الآليات السياسية لدعم هذا المعيار، فلا توجد اتفاقيات دولية ملزمة للحد من Nr، على عكس اتفاقية باريس التي ربطت البصمة الكربونية بأهداف وطنية ملزمة. ومع ذلك، فإن هذا لا يقلل من ضرورة استخدام البصمة النيتروجينية، بل يؤكد الحاجة الملحة لدمجها في التقييمات البيئية الشاملة. ففي سياقات مثل مصر، حيث يعتمد الإنتاج الحيواني على أعلاف عالية البروتين وأسمدة كيماوية مكثفة، يمكن أن تكشف البصمة النيتروجينية عن فرص هائلة لتحسين كفاءة استخدام النيتروجين، وتقليل الفاقد، وتحويل المتبقيات الزراعية إلى موارد وهو ما يتماشى تمامًا مع مبادرات الاقتصاد الدائري. كما أن دمجها مع البصمة الكربونية يمنع "التسرب البيئي" (Environmental Leakage)، حيث قد تنجح في خفض الانبعاثات الكربونية لكنها تزيد من تلوث النيتروجين (أو العكس). تعتبر من نقاط قوة البصمة النيتروجينية أنها تربط مباشرة بين الأمن الغذائي والاستدامة البيئية، وتُظهر كيف أن تحسين كفاءة استخدام البروتين في علائق الحيوان يمكن أن يحقق فوائد مزدوجة حيث تقليل التكلفة وتقليل التلوث. أما نقاط ضعف البصمة النيتروجينية فتتمثل في صعوبة قياس بعض المسارات (مثل N₂O من التربة)، وعدم وجود وعي كافٍ بين صانعي القرار، وافتقارها إلى وحدة "مكافئة" عالمية مثل CO₂e التي سهلت تداول البصمة الكربونية. في النهاية، لا يمكن اعتبار البصمة الكربونية كافية وحدها لرسم مستقبل زراعي مستدام. فبينما تحمينا من الاحتباس الحراري، فإن البصمة النيتروجينية تحمينا من اختناق النظم البيئية. ولذلك، فإن التوجه المستقبلي الذكي هو التكامل بين المعيارين، وليس الاختيار بينهما. وفي هذا السياق، يصبح تطوير مؤشرات موحدة مثل مؤشر CN-Footprintليس مجرد تحسين منهجي، بل ضرورة وجودية لضمان توازن كوكبنا بين إنتاج الغذاء وحماية بيئته.