رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

"الروبوتات" وظاهرة تفتت الملكيات الزراعية


  • 20-1-2026 | 14:45

.

طباعة

ا. د. فوزي محمد أبودنيا مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقا

تمثل العلاقة بين الروبوتات وقطاعات العمل الزراعي والإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، وكذلك تأثيرها على ظاهرة تفتت الملكيات الزراعية، أحد أبرزمحاور التحوّل الرقمي في الأغذية والزراعة.

وسوف نتناول هنا تحليل لهذه العلاقة من زوايا تقنية، اقتصادية، اجتماعية، ومؤسسية.

أولًا: الروبوتات في القطاعات الزراعية والإنتاجية

1. الإنتاج الزراعي (Crop Production) تستخدم تطبيقات روبوتات الزراعة الدقيقة الآن لأعمال الحرث، البذر، الشتل، وإزالة الأعشاب الضارة باستخدام الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية.

كما تستخدم طائرات مسيرة (Drones) لمراقبة المحاصيل، رش المبيدات، وتحليل صحة النبات عبر مؤشرات مثل NDVI. بالإضافة الى أنظمة الري الذكية المدعومة بحساسات وروبوتات تنظيم التدفق.

ويؤثر استخدام هذه الروبوتات على خفض استخدام المبيدات بنسبة تصل إلى 90%. كذلك زيادة كفاءة استخدام المياه والأسمدة. وأيضا تقليل الاعتماد على العمالة الموسمية.

2. الإنتاج الحيواني (Livestock) تستخدم تطبيقات روبوتات الحلابة الآلية التي تزيد من إنتاجية البان الأبقار وتقلل الإجهاد. كما تستخدم أنظمة مراقبة الصحة (wearables) لتتبع درجة الحرارة، النشاط، والتغذية. وكذلك روبوتات تنظيف الحظائر وفرش الأرضيات تلقائيًا.

وقد وجد إن استخدام هذه الروبوتات يحسين من رفاهية الحيوان. كذلك تقليل الأمراض عبر الكشف المبكر. وأيضا رفع كفاءة إدارة القطيع حتى في المزارع الصغيرة.

3. الإنتاج الداجني (Poultry) في مجال الإنتاج الدجنى تستخدم تطبيقات روبوتات جمع البيض، فرزه، وتنظيف العنابر. وأيضا تستخدم أنظمة ذكية للتحكم في التهوية، الإضاءة، ودرجة الحرارة. كذلك كاميرات حرارية للكشف عن الطيور المريضة أو الميتة.

وفى الواقع ان استخدام هذه الروبتات أدى الى تقليل الهدروتحسين جودة المنتج. وأيضا تقليل انتشار الأمراض (مثل إنفلونزا الطيور).

4. الإنتاج السمكي (Aquaculture) حيث تستخدم تطبيقات روبوتات تغذية الأسماك بدقة حسب السلوك والوزن. كذلك طائرات مسيرة أو غواصات صغيرة لمراقبة جودة المياه (الأكسجين، pH، الأمونيا). بالإضافة الى أنظمة آلية لتنظيف أحواض الاستزراع وجمع الفضلات. ونتج عن هذه الاستخدامات تحسين معدلات التحويل الغذائي (FCR). كذلك تقليل التلوث وزيادة الكثافة دون التأثير على الصحة.

ثانيًا: الروبوتات وظاهرة تفتت الملكيات الزراعية

تفتت الملكيات الذي يشير الى تقسيم الأراضي الزراعية إلى وحدات صغيرة جدًّا عبر الأجيال بسبب الميراث أوالسياسات غيرالفعّالة، مما يؤدي إلى انخفاض الجدوى الاقتصادية لكل وحدة. كذلك صعوبة تبني التقنيات الحديثة. هجرة الريف وانخفاض الإنتاجية.

وهنا يكمن سؤال مهم وهو، كيف تتفاعل الروبوتات مع هذه الظاهرة؟

هناك البعد الإيجابي الذى يتمثل في إمكانية الوصول عبر نماذج الخدمة Robotics-as-a-Service الى المزارعون أصحاب الحيازات الصغيرة حيث يمكنهم استئجار روبوتات أو خدماتها (مثل رش مبيدات بالطائرة المسيرة مقابل رسوم رمزية)، دون الحاجة لامتلاكها.

الجانب الثاني زيادة الإنتاجية على المساحات الصغيرة حيث تُمكّن الروبوتات من الزراعة الرأسية، الزراعة الدقيقة، وإدارة دقيقة للموارد مما يجعل الحيازة الصغيرة أكثر ربحية.

أما الجانب الأخير يتمثل في دمج الحيازات رقميًّا من خلال منصات رقمية، يمكن تجميع بيانات عدة مزارعين صغار لتشغيل روبوتات مشتركة بكفاءة (نموذج تعاوني رقمي).

من ناحية اخرى فإن هناك بعد سلبي لاستخدام الروبوتات في المساحات الضيقة يتمثل في تكاليف أولية مرتفعة حيث أن معظم الروبوتات ما زالت باهظة الثمن، ولا تناسب المزارع الصغيرة ذات السيولة المحدودة.

كذلك وجود فجوة رقمية نتيجة نقص المهارات التقنية لدى صغار المزارعين (خاصة في الدول النامية) يحد من الاستفادة.

والجانب السلبي الأخير يتمثل في تعزيز التفاوت: قد تستفيد المزارع الكبيرة أولاً، مما يوسع الفجوة بينها وبين الحيازات الصغيرة.

ثالثًا: بعض التوصيات لتعظيم الفائدة من استخدام الروبوتات وتقليل المخاطر

1) الدعم الحكومي الموجّه وربط الروبوتات بسياسات الإصلاح الزراعي: ويتم ذلك من خلال تقديم إعانات أو قروض ميسّرة لشراء/استئجار روبوتات للمزارعين الصغار. وكذا إنشاء "مراكز خدمة روبوتية" في المناطق الريفية (نموذج مشترك). من المسلم به انه لا يمكن الاعتماد على التكنولوجيا وحدها؛ بل يجب دمجها مع سياسات لتنظيم تسجيل الأراضي، وتشجيع التجمعات الإنتاجية.

2) تنمية المهارات الرقمية: وذلك عن طريق عمل برامج تدريبية عملية على تشغيل الروبوتات والمنصات الزراعية الذكية.

3) تشريعات داعمة للتعاونيات الرقمية: تشجيع تشكيل تعاونيات زراعية تستخدم روبوتات مشتركة، مما يحوّل "تفتت الملكية" إلى "تكامل رقمي".

4) إنتاج وتطوير روبوتات منخفضة التكلفة: دعم البحث والتطوير في روبوتات مخصصة للبلدان النامية (مثل روبوتات تعمل بالطاقة الشمسية، بسيطة التشغيل). التعاون مع وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات بوزارة الاتصالات على دعم وتعزيز إنتاج الروبوتات محليا.

يمكننا في نهاية الأمر أن نقول بان الروبوتات ليست تهديدًا لصغار المزارعين، بل أداة محتملة لتمكينهم شرط أن تُدار عملية انتشارها بذكاء اجتماعي واقتصادي. في ظل تفتت الملكيات، يمكن للروبوتات أن تصبح "glue technology" (تكنولوجيا رابطة) تعيد القيمة الاقتصادية للحيازات الصغيرة، بدل أن تكون سببًا في تهميشها. النجاح يعتمد على التصميم الشامل Inclusive Designالذي يضع المزارع الصغير في قلب الابتكار، لا على هامشه.

بالإضافة الى إن دمج الروبوتات في مشاريع (مثل مشروع الأعلاف من المتبقيات الزراعية) قد يُحدث قفزة في الكفاءة والاستدامة خاصة إذا رُبط بآليات جماعية للمربين الصغار.

اخر اصدار