رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

زراعة الأنسجة النباتية فى مصر.. من البحث العلمى إلى الزراعة التجارية


  • 15-1-2026 | 15:00

.

طباعة

د. قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة.

 

تُعد مصر من الدول العربية الرائدة في مجال زراعة الأنسجة النباتية، حيث بدأت التجارب البحثية منذ سبعينيات القرن الماضي داخل الجامعات والمراكز البحثية، ثم تحولت مع مرور الوقت إلى صناعة زراعية وتجارية ذات أثر ملموس على إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية مثل البطاطس، الموز، وقصب السكر.

لقد ساعدت هذه التقنية مصر على مواجهة تحديات كبيرة، مثل انتشار الأمراض الفيروسية، الحاجة إلى تقاوي معتمدة، وضغط الطلب المتزايد على الغذاء.

البدايات

مع دخول تقنية Murashige & Skoog (1962) إلى الأوساط العلمية العالمية، بدأت معامل مصر في كلية الزراعة بجامعتي القاهرة وعين شمس ومركز البحوث الزراعية والمركز القومي للبحوث وجامعة الأزهر، ثم جامعة المنيا وأسيوط، في إجراء تجارب أولية على زراعة الكالس وزراعة الأعضاء.

وفي الثمانينيات، انطلقت مشروعات قومية في مركز البحوث الزراعية (ARC) لتطبيق زراعة الميرستيم لإنتاج نباتات بطاطس خالية من الفيروسات.

التطبيقات العملية في مصر

-1     االفراولة:

الإكثار الدقيق للفراولة في مصر يتم عبر زراعة الأنسجة لإنتاج شتلات نقية وخالية من الأمراض.. هذه التقنية توفر شتلات عالية الجودة، متجانسة وراثيًا، وخالية من الفيروسات، ما يساهم في دعم التوسع التجاري للفراولة في مصر.

-1      البطاطس

  •        البطاطس من أهم محاصيل التصدير المصري.
  •        الاعتماد على زراعة الميرستيم (Meristem Culture) سمح بإنتاج تقاوي بطاطس خالية من الفيروسات، الأمر الذي رفع الإنتاجية وساهم في تقليل الاعتماد على استيراد التقاوي من أوروبا.
  •        اليوم، توجد معامل متخصصة تنتج آلاف النباتات سنويًا كمرحلة أولى لإنتاج درنات Mini-tubers، ثم تقاوي معتمدة للمزارعين.

-3     الموز

       زراعة الموز عبر الأنسجة ساعدت على توفير شتلات متجانسة وخالية من الأمراض الفطرية والفيروسية.

      في مشاتل مصر، يتم الآن إنتاج ملايين الشتلات عبر الإكثار الدقيق (Micropropagation) لتلبية احتياجات السوق المحلي والتصدير.

-4       قصب السكر

  •        في صعيد مصر، حيث يزرع قصب السكر بشكل واسع، تم إدخال زراعة الأنسجة لإنتاج شتلات خالية من الأمراض، أكثر تجانسًا وأعلى إنتاجية.
  •        معامل متخصصة في مركز البحوث الزراعية بالجيزة وأسوان أسهمت في إدخال التقنية إلى برامج تحسين القصب.

-5       النباتات الطبية والعطرية

  •        مصر من الدول الغنية بالنباتات الطبية مثل النعناع، البردقوش، الريحان، والخروع.
  •        تجارب بحثية وتجارية جرت على زراعة الخلايا المعلقة لإنتاج زيوت عطرية ومركبات دوائية.
  •        هناك توجه للاستفادة من هذه التقنية لدعم صادرات مصر من النباتات الطبية.

-6      النخيل

  •        مع تزايد الاهتمام بزراعة النخيل في الواحات وسيناء، أُنشئت معامل متخصصة لإنتاج فسائل نسيجية عالية الجودة.
  •       الهدف هو مواجهة أمراض النخيل (مثل سوسة النخيل الحمراء) وإنتاج أصناف محسنة تلائم الظروف الصحراوية.

الأثر الاقتصادي

  •        ساهمت زراعة الأنسجة في تقليل فاتورة الاستيراد، خصوصًا في البطاطس والتقاوي.
  •        دعمت قطاع التصدير الزراعي من خلال توفير منتجات عالية الجودة وخالية من الأمراض.
  •        خلقت فرص عمل جديدة للباحثين والفنيين والمهندسين الزراعيين.
  •        ساعدت في استصلاح الأراضي الجديدة عبر توفير شتلات متجانسة للنخيل والموز.

التحديات في مصر

رغم النجاحات، تواجه التقنية بعض العقبات:

  1.       ارتفاع التكلفة: تجهيز المعامل وصيانتها يحتاج إلى تمويل كبير.
  2.       نقص الكوادر المدربة: خاصة في المحافظات البعيدة عن القاهرة.
  3.       التسويق والوعي: لا يزال بعض المزارعين يفضلون الطرق التقليدية ويشككون في النباتات النسيجية.
  4.       التلوث الميكروبي: يمثل التحدي الأكبر في المزارع النسيجية، ويتطلب تدريبًا دقيقًا وإدارة جيدة.

المستقبل والآفاق

  •        التوسع التجاري: من المتوقع أن يتوسع القطاع الخاص في مشاتل النسيج لإنتاج شتلات البطاطس والموز والنخيل.
  •        التكامل مع الهندسة الوراثية: ربط زراعة الأنسجة بتقنيات CRISPR-Cas9 سيفتح الباب لإنتاج نباتات مصرية مقاومة للجفاف والملوحة.
  •        دعم النباتات الطبية: الاستثمار في إنتاج مركبات دوائية وزيوت عطرية عالية القيمة من خلال زراعة الخلايا.
  •       التعاون الإقليمي: مصر مرشحة لتكون مركزًا إقليميًا لتصدير الشتلات النسيجية للدول العربية والأفريقية.

 

لقد أثبتت التجارب أن زراعة الأنسجة النباتية في مصر ليست مجرد بحث علمي، بل صناعة وطنية تسهم في الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية.

من البطاطس إلى الموز والنخيل، ومن النباتات الطبية إلى قصب السكر، أصبحت هذه التقنية جزءًا من المشهد الزراعي المصري الحديث.

 

ومع دعم الدولة والقطاع الخاص، يمكن أن تتحول مصر إلى مركز إقليمي رائد في التكنولوجيا الحيوية الزراعية، قادر على خدمة المنطقة العربية والأفريقية بأكملها.

 

اخر اصدار