إذا نظرنا إلى إشكالية الأمن الغذائي في عصر المناخ المتغير نجد أن مصر تُعدّ من أكثر دول العالم عُرضةً لتأثيرات تغيّر المناخ، خصوصًا في القطاع الزراعي والحيواني. فبين ندرة المياه المتفاقمة، وارتفاع درجات الحرارة، وتقلبات الطقس، يواجه الإنتاج الحيواني كجزء جوهري من الأمن الغذائي تحديات وجودية. ووفقًا لتوقعات البنك الدولي، قد تنخفض إنتاجية قطاع الثروة الحيوانية في مصر بنسبة تصل إلى 15–20% بحلول عام 2050 بسبب ارتفاع درجات الحرارة ونقص الأعلاف. وفي هذا السياق، لم يعد ممكنًا الاعتماد على النماذج التقليدية لإدارة الثروة الحيوانية. بل أصبح من الضروري اعتماد "الإدارة الزراعية المتكاملة للثروة الحيوانية" (Integrated Agricultural Management of Livestock Production)، التي تجمع بين الكفاءة الإنتاجية، والاستدامة البيئية، والتكيف المناخي، وتنمية سبل العيش.
أولًا: نظرة على واقع الثروة الحيوانية في مصر
تشير البيانات الحكومية الى أن قطاع الثروة الحيوانية يُسهم بنحو 10–12% من الناتج المحلي الزراعي، ويُوظّف ملايين الأسر، خصوصًا في الريف. يعتمد في إنتاج الثروة الحيوانية على الماشية (أبقار، جاموس) لإنتاج اللبن واللحوم. والأغنام والماعز خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة. وأيضا الدواجن كقطاع سريع النمو، يغطي أكثر من 90% من احتياجات السوق. بالإضافة الى الاستيراد الضخم للأعلاف حيث تستورد مصر حوالي من 12 مليون طن من الذرة وفول الصويا سنويًّا، ما يجعل القطاع عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الشحن.
ثانيًا: تأثيرات تغير المناخ على الإنتاج الحيواني في مصر
1. الإجهاد الحراري (Heat Stress)
من المتعارف عليه أن ارتفاع متوسط درجات الحرارة خاصة في الصيف يؤثر سلبًا على إنتاج اللبن الذي ينخفض بنسبة تصل إلى 25% عند درجات حرارة فوق 35°م. كذلك الخصوبة التي تؤدى الى انخفاض معدلات التلقيح، وزيادة الإجهاض. أيضا نسبة النفوق التي ترتفع خصوصًا بين العجول والطيور الصغيرة. ونجد أن المناطق الأكثر تأثرًا تكون في الصعيد، شمال الصحراء الغربية، وجنوب الدلتا.
2. ندرة المياه وانخفاض جودتها
من المسلم به أن نقص المياه يحدّ من توفر المراعي الطبيعية ويزيد تكلفة إنتاج الأعلاف الخضراء. كما أن ارتفاع ملوحة المياه في بعض المناطق (كالدلتا) يؤثر على صحة الحيوانات ويدمر البنية التحتية لري المراعي.
3. تدهور جودة الأعلاف المحلية
يعتبر الجفاف وتغير أنماط الأمطار من الأسباب التي تقلل من إنتاج محصول الذرة، البرسيم، الشعير، الصويا، الخ. كما أن ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الجو قد يقلل من القيمة الغذائية للنباتات العلفية.
4. ازدياد انتشار الأمراض الحيوانية
إن ارتفاع الحرارة والرطوبة يوسع نطاق انتشار الطفيليات (مثل القراد). كذلك الأمراض الفيروسية (مثل حمى الوادي المتصدع، الحمى القلاعية). كما أن ضعف البنية التحتية للتطعيم في الريف يُعقّد المواجهة.
ثالثًا: مبادئ الإدارة الزراعية المتكاملة للإنتاج الحيواني
الإدارة المتكاملة لا تعني فقط "تحسين السلالات"، بل ربط الإنتاج الحيواني بالنظام الزراعي الأوسع، عبر التكامل بين المحاصيل والثروة الحيوانية عن طريق استخدام متبقيات المحاصيل (حطب الذرة، قش الأرز، تبن القمح، نواتج الخضر والفواكه) كأعلاف بعد معالجتها. وأيضا استخدام الروث الحيواني كسماد عضوي أو مصدر للطاقة الحيوية (البيوجاز). كذلك فان تعزيز إنتاج الأعلاف غير التقليدية من المتبقيات الزراعية والصناعية (مثل تفل الزيتون، تفل بنجر السكر، نخالة الأرز) يحسن من الإدارة المتكاملة للمجال. بالإضافة الى الاعتماد على الجمعيات الزراعية كمراكز متخصصة لإنتاج الإعلاف غير التقليدية بالاستعانة لخبراء معهد بحوث الإنتاج الحيواني. على الجانب الأخر يجب الاهتمام بتحسين سلالات الحيوانات المتحملة للحرارة حيث يجب الاهتمام بتحسين السلالات المحلية (مثل الجاموس المصري، والأغنام والماعز والأبقار) وجعلها سلالات مُحسّنة مناخياً. وأيضا دعم برامج التلقيح الاصطناعي المبرّد مع الرقابة عليه. إن العمل على تكيّف المنشآت الحيوانية مع المناخ عن طريق استخدام أنظمة تهوية طبيعية وصناعية في الحظائر. أيضا تركيب ألواح طاقة شمسية لتبريد المياه وتوليد الكهرباء. وكذا الاهتمام برشّ الرذاذ المائي (Misting) لتقليل الإجهاد الحراري. بجانب ذلك تأتى إدارة المياه بكفاءة من خلال إعادة استخدام المياه الرمادية (من غسيل الحظائر) بعد المعالجة. زراعة المحاصيل المقاومة للجفاف (مثل علف السورجوم، والريانة الهجينة والتربتكال، البرسيم المصري وغيرها). وأيضا الرقمنة ونظم الإنذار المبكر عن طريق استخدام تطبيقات ذكية لمراقبة درجة حرارة الحيوانات، استهلاك العلف والماء، وعلامات المرض المبكرة. وكذا ربط المزارع بمنصات وطنية للتنبؤ بالطقس والأسعار.
رابعًا: نماذج يجب الاهتمام بالعمل على إنجاحها في مصر
– مشروعات البيوجاز في الصعيد حيث يعتبر تحويل روث الماشية إلى غاز طهي وكهرباء، مع إنتاج سماد عضوي عالي الجودة أحد العوامل التي تحقّق خفضًا في فاتورة الطاقة بنسبة 60% للمزارع.
– إنتاج الأعلاف من المتبقيات الزراعية من خلال الجمعيات الزراعية، حيث يمكن أن يقوم مركز الدقي للأعلاف غير التقليدية بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني يُدرّب المزارعين على تصنيع "العلائق المتكاملة" والاستعانة بقش الأرز ونخالة القمح، بتكلفة أقل 40% من العلف المستورد.
– الاهتمام بمزارع الدواجن الذكية التي تعتمد على أنظمة تهوية أوتوماتيكية، وألواح شمسية، وتبريد بالماء، مما يخفض النفوق بنسبة 18%.
– الاهتمام بمشروعات الاستزراع السمكي-الحيواني المتكامل خاصة في مناطق عدة على مستوى الجمهورية: ربط مزارع الماشية بمزارع الأسماك عبر استخدام مياه الصرف المعالج كمصدر لتغذية البركة.
خامسًا: التحديات التي تعيق تحقيق الإدارة الزراعية المتكاملة للثروة الحيوانية تحت ظروف تغير المناخ
يعتبر ضعف التمويل الصغير للمزارعين لتطبيق الحلول المناخية. وأيضا غياب السياسات الداعمة للإعلاف غير التقليدي على نطاق واسع. وكذا نقص الكوادر الفنية المؤهلة في الريف لإدارة الأنظمة المتكاملة. بالإضافة الى الاعتماد على الاستيراد يُبقي القطاع خارج نطاق السيطرة الوطني، من المعوقات التي تحد من تحقيق الإدارة الزراعية المتكاملة للثروة الحيوانية تحت ظروف تغير المناخ.
في نهاية المطاف يمكن أن نقول إن الإنتاج الحيواني في مصر لا يمكن أن يبقى "ضحية" لتغير المناخ. بل يمكن عبر الإدارة المتكاملة أن يتحول إلى محرك للتنمية الريفية المستدامة، يخلق فرص عمل، يُقلل الانبعاثات، ويُعزز الأمن الغذائي. التحدي ليس نقص المعرفة، بل نقص التنسيق بين البحث، السياسة، والتنفيذ. وعندما تندمج المؤسسات البحثية (مثل معهد الإنتاج الحيواني)، مع المزارعين، ومع الجهات التنفيذية (مثل "مستقبل مصر")، يمكن لمصر أن تبني نموذجًا رائدًا لإنتاج حيواني ذكي مناخيًّا يكون نبراسا لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والمنطقة العربية وإفريقيا في آنٍ واحد.