رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

التكامل المؤسسى بين مستقبل مصر والزراعة لتحقيق تنمية مستدامة


  • 8-1-2026 | 13:10

.

طباعة

ا. د. فوزي محمد أبو دنيا
مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقا

فى ظل التحديات الوجودية التي يوجهها القطاع الزراعي المصرى من ندرة المياه، وزيادة السكان، وتقلص الأراضى الزراعية الخصبة، برزت الحاجة الملحة إلى إعادة هيكلة جذرية للمنظومة الزراعية بما يتوافق مع الواقع الجديد ومعطيات الأمن القومى الغذائى.

طبقا لتأكيدات وزير الزراعة مؤخرًا، أن جهاز مستقبل مصر يمتلك القدرة المؤسسية وإمكانات تنفيذية استثنائية لتحمل مسؤولية الاستصلاح والاستزراع الأفقى في الأراضى الصحراوية، تظهر الحاجة إلى تعزيز التعاون والتكامل بين الوظائف الجوهرية لجهازين وطنيين بالدولة المصرية هما، جهاز "مستقبل مصر" والتابع للقوات المسلحة والبديل الفاعل لوزارة استصلاح الأراضى، الذى يمتلك إمكانات تنفيذية استثنائية في استصلاح الأراضى الصحراوية وإدارة المشاريع الزراعية القومية في الأراضي الجديدة.

والثاني هي وزارة الزراعة، التي يتعيّن عليها تحقيق تنمية ريفية مستدامة، عن طريق تطوير الأراضي الزراعية القديمة (الدلتا والوادى) في الريف المصرى، وتنشيط الاقتصاد الريفي، ودعم صغار المزارعين.

أولًا: جهاز مستقبل مصر محرك الاستصلاح والاستزراع الأفقي

من الملاحظ الآن إن جهاز "مستقبل مصر" يُعدّ اليوم الذراع التنفيذى الأقوى فى مجال التوسع الزراعي الأفقى، حيث يقود مشاريع وطنية طموحة تشمل:

الدلتا الجديدة: لاستصلاح 4.5 مليون فدان في الصحراء الغربية، باستخدام أنظمة الري الحديثة، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي.

مشروع "سنابل" و "سونو نسبة إلى الاسم القديم لأسوان": لإنتاج القمح عالي الجودة، وتحقيق نسبة أعلى من الاكتفاء الذاتي.

تنمية شمال سيناء وتوشكي: لتحويل الصحاري إلى مناطق إنتاج زراعي وحيواني متكامل.

مدينة "مستقبل مصر" الصناعية الزراعية ضمن "الدلتا الجديدة": التي تضم صوامع للحبوب، وثلاجات للخضروات، ومصانع أعلاف، ووحدات تجفيف، ما يُسهم في تقليل الهدر بعد الحصاد ورفع القيمة المضافة.

التركيز على الثروة الحيوانية: عبر مشروعات تربية الأبقار، المعز، والأغنام، المدعومة بأنظمة إنتاج علفية محلية.

هذا ويتميز الجهاز بقدرات لوجستية، تمويلية، وتنفيذية لا تمتلكها الوزارة، خاصة في إدارة مشاريع ضخمة بمعايير عالمية وعلى أراضٍ غير مأهولة سابقًا.

ثانيًا: تعزيز دور وزارة الزراعة في تحقيق التنمية الريفية المستدامة

في ضوء تصريحات وزير الزراعة بصراحة أن مسؤولية الاستصلاح تفوق قدرات الوزارة، يصبح من المنطقي إعادة توجيه دورها نحو المهمة الأكثر تأثيرًا في الحاضر والمستقبل وهو إحياء الريف المصري علي الأراضي الزراعية القديمة.
ويشمل هذا التحوّل ما يلي:

التركيز على الأراضي الزراعية القديمة (الدلتا والوادي): حيث يكون التركيز على تحسين الإنتاجية من خلال تحديث أنظمة الري (لترشيد إستخدام المياه).

أيضا مكافحة ظاهرة التوسع العمرانى العشوائى على الأراضى الزراعية، بالإضافة إلى دعم صغار المزارعين بالتقنيات الحديثة، والتدريب، والتمويل الصغير..

دمج برامج الحماية الاجتماعية مع التنمية الريفية: عن طريق ربط الدعم النقدي لمشروع "تكافل وكرامة" ببرامج تمكين اقتصادى (زراعي، حرف يدوية، تربية دواجن منزلية، الخ).

ويكون التوجه بتحويل الدعم من "إعانة" إلى "استثمار بشري" يُسهم في بناء اقتصاد قروى منتج.

تعضيد الإرشاد الزراعي والبحث التطبيقي: وذلك عن طريق ربط معاهد البحوث الزراعية باحتياجات المزارعين الفعلية، لا بالمنشورات الأكاديمية. كذلك التركيز على المحاصيل عالية القيمة (خضروات، فواكه، أعشاب طبية، الخ)، والتقنيات الموفرة للمياه.

تعزيز دور المرأة الريفية: ويتم ذلك عن طريق دعم مشاريع تربية الأغنام، الدواجن، وتصنيع الألبان كوسيلة لتمكين اقتصادي مستدام.

وبهذا يصبح الهدف ليس إلغاء جهة أو تقليص أخرى، بل إعادة توزيع الأدوار وفق الكفاءة والموارد والتنسيق بين الجهتين عبر مجلس وطني للتنمية الزراعية والريفية يُنشأ برئاسة مجلس الوزراء، لمراقبة:

  • التوازن بين الإنتاج في الأراضي الجديدة والقديمة.
  • تجنّب الازدواج في زراعة المحاصيل.
  • تحقيق أهداف الأمن الغذائي الموحّدة.

الحقيقة، لقد جاء الاعتراف الصريح من وزير الزراعة بحدود قدرات الوزارة كان خطوة شجاعة وواقعية وفرصة تاريخية لإصلاح منظومة قديمة.

ومن هنا نرى أنها فرصة ذهبية لإعادة هيكلة القطاع الزراعي على أسس عصرية:
جهاز مستقبل مصر: لبناء المستقبل في الصحاري.
وزارة الزراعة: لتحقيق التنمية الريفية وإحياء الروح في الريف القديم.

بهذا التقسيم الوظيفي الواضح، يمكن لمصر أن تُحقّق الأمن الغذائي دون هدر، وتُنشئ اقتصادًا زراعيًّا مزدوج المسار (صناعي في الصحاري، وريفي منتج في الدلتا)، وتُوفّر ملايين فرص العمل، وترفع دخل الأسرة الريفية، وتصنع استقرارًا مجتمعيًّا يبدأ من أصغر قرية. الواقع أصبح يشير الى أن التحدي لم يعد في "من يفعل ماذا؟"، بل في الإرادة السياسية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع مؤسسي منظم.  ومن هذا الوضع الراهن فإننا نطرح وثيقة لتكون بمثابة خارطة طريق تهدف إلى إنهاء التداخل المؤسسي وتعظيم الاستفادة من موارد الدولة المصرية.

ترتكز الرؤية على مبدأ أن وزارة الزراعة هي "العقل المفكر والرقيب السيادي"، بينما جهاز مستقبل مصر هو "الذراع التنفيذي والاستثماري القوي". وان هذه الوثيقة تطرح مجموعة من المحاور في هذا الشأن لتحقيق تنمية زراعية أكثر مرونة وأكثر قدرة على الصمود تتمثل في:

المحور الأول: تحديد الأدوار والمسؤوليات 

حيث من الضروري أن يتم الفصل بين المهام لضمان التخصص ومنع الازدواجية حيث تصبح وزارة الزراعة مضطلعة بوضع السياسات العليا، البحث العلمي عبر معاهدها، تعزيز لإرشاد الزراعي، الرقابة على الجودة والصحة النباتية/الحيوانية، ودعم صغار المزارعين. بينما جهاز مستقبل مصر يركز على التنفيذ الميداني للمشروعات الكبرى، جذب الاستثمارات، إدارة البنية التحتية للمزارع الجديدة، وربط الإنتاج بالتصنيع والتصدير.

المحور الثاني: غرفة العمليات الزراعية الوطنية المشتركة 

من المهم بمكتن أن تُشكل آلية مركزية تحت إشراف مجلس الوزراء لضمان وحدة القرار. وتتركز المهام في وضع "خريطة الإنتاج الموحدة" لمنع فائض أو عجز المحاصيل، إدارة الدورة الزراعية الذكية، وتحديد أسعار توريد عادلة. وبالتالي يكون الأثر القضاء على العشوائية في اختيار المحاصيل وضمان استقرار الأسعار في الأسواق المحلية.

المحور الثالث: ربط البحث العلمي بالتنفيذ الميداني 

تحويل مزارع الجهاز إلى مختبرات حية لابتكارات الوزارة، وذلك عبر آلية إلزام مشروعات الجهاز بالأصناف المعتمدة والبروتوكولات الفنية للوزارة، وإنشاء وحدات بحوث تطبيقية داخل مواقع الجهاز. وهنا سوف يكون الأثر متمثلا في رفع إنتاجية المساحة (الفدان) بنسبة تصل إلى 40% وتقليل الهدر الناتج عن الممارسات الزراعية الخاطئة.

المحور الرابع: تحقيق النمو الشامل عبر دمج صغار المزارعين في سلاسل القيمة

ربط الفلاح البسيط بالكيانات الكبرى لتحقيق العدالة الاجتماعية وذلك عبر آلية تفعيل "الزراعة التعاقدية" حيث يشتري الجهاز المحاصيل من صغار المزارعين بضمان الوزارة، وتوفير الميكنة الحديثة ومراكز التجميع التابعة للجهاز لخدمة القرى المحيطة. والمتوقع من هذه الخطوة زيادة دخل المزارع الصغير وحمايته من تقلبات السوق وجشع الوسطاء.

المحور الخامس: إطلاق منصة رقمية موحدة والتحول الرقمي

من الضروري إدارة القطاع الزراعي بلغة الأرقام والتنبؤات الذكية، وذلك من خلال آلية إنشاء منصة تربط "كارت الفلاح" بنظم المعلومات الجغرافية للجهاز، لتتبع المساحات والإنتاج والمخزون لحظياً. ونتوقع هنا أن يكون الأثر لهذه الخطوة متمثلا في توفير بيانات دقيقة لصانع القرار، والتنبؤ بالأزمات قبل وقوعها، وترشيد استخدام المياه والأسمدة والوقود.

المحور السادس: القيمة المضافة في الثروة الحيوانية والتصنيع الزراعي

يدور إطار هذا المحور حول التحول من الزراعة الخام إلى التصنيع الغذائي المتكامل وذلك عبر آلية زراعة محاصيل الأعلاف (مع التركيز على الأعلاف البديلة الواعدة) في مشروعات الجهاز لخدمة مزارع الألبان والتسمين بالإضافة للثروة الداجنة والسمكية، وإنشاء مجمعات تصنيع (الأعلاف، الألبان، اللحوم) مما يحقق قيمة مضافة عبر منتجات آمنة وصحية وفرص عمل. ومن المتوقع لهذه الخطوة أن يكون الأثر متمثلا في خفض فاتورة الاستيراد، توفير بروتين حيواني بأسعار مناسبة، وخلق آلاف فرص العمل في التصنيع الزراعي.

وفى النهاية يمكن القول بأن التكامل بين العلم والخبرة (الوزارة) والأرض والتمويل (الجهاز) هو الضمانة الرائدة لتحويل الصحراء المصرية إلى سلة غذاء مستدامة.

إن تنفيذ هذه المحاور الستة سيجعل من قطاع الزراعة ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، قادرة على مواجهة التحديات السكانية والمناخية بكل قوة.

اخر اصدار