رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

تحقيقات وتقارير

البن فى مصر.. زراعة على نار هادئة

  • 6-1-2026 | 16:40

.

طباعة
  • علاء عبد الحسيب- مها رمضان
  • تصوير: عمر العربي

 

  • 500 ألف شتلة جاهزة لزراعة 700 فدان
  • نجاح زراعة شتلات 21 صنفا تجاريا.. «رمسيس» و«آتون» و«كليوبترا» أبرزها
  • باحثون: زراعة البن فى مصر تقدم علمى مهم وتجارب «بحوث البساتين» أثبتت نجاحه
  •  «قرية النجاح بالبحيرة» تحتضن أول مشروع لإنتاج البن
  •  إنتاجية الشجرة الواحدة  9 كيلو جرام فى ظروف محسنة

 

اجتهادات بحثية لا حصر لها كانت تُشير منذ زمن إلى صعوبة زراعة البن فى مصر، فهذا النوع من الزراعات تحديدًا يحتاج لظروف جوية خاصة لم تكن فى قاموس المناخ المصري، إلا أن التغيرات المناخية الطارئة التى يشهدها العالم ومصر بشكل خاص قد غيرت قواعد اللعبة، وفرضت واقعًا جديدًا لمستقبل زراعات أخرى، بل وفتحت الطريق من جديد أمام فرص زراعة البن على أرض مصر، وهى فرص مهمة فى بلد مصنفة عالميًا أنها مستورد لهذا المنتج.

فى "قرية النجاح" التابعة لمركز بدر بمحافظة البحيرة، كنا على موعد مع بوادر إنجاز جديد لزراعة البن فى مصر، مشروع يديره مجموعة من الاستشاريين والباحثين وخبراء الإنتاج الزراعى والمتخصصين فى مجال المحاصيل الاستوائية.. بذلوا جهدا كبيرا على مدار 3 سنوات لأن يمهدوا لنا الطريق اليوم لزيارة هذا المشروع..ونجحوا فى إنتاج ما يقرب من 500 ألف شتلة من أصناف البن التجارى جاهزة لزراعة 700 فدان.

«الأهرام التعاونى والزراعي» بدأت الرحلة من القاهرة متجهة لمحافظة البحيرة، على يمين الطريق تظهر أشجار اليوسفى والبرتقال والليمون وعلى الجانب الأيسر يكسو لون الفراولة الأحمر الأرض الطيبة فى محافظة البحيرة، من أطلق عليها عاصمة الزراعة فى مصر لم يخطئ أبدا، فهى حقا المحافظة الأكبر من حيث المساحات الخضراء بإجمالى 1.9 مليون فدان، وهى أكثر مكان يحتضن محاصيل الخضر والفاكهة والحبوب، ويحتضن أيضا عباقرة الإنتاج الزراعى ورواده والمشروعات الرائدة فى القطاع.. وفى هذه الزيارة رصدنا واحدة منها.


م.محمد هندى

المهندس محمد هندي استشارى زراعة البن والقائم على فكرة المشروع قال : “إن فكرة الزراعة بدأت منذ فترة طويلة، كانت مجرد حلم نبحث عن تحقيقه طوال أكثر من 10 سنوات، منذ إقامتى فى دولة فيتنام المصنفة فى المرتبة الثانية عالميًا فى زراعة البن، والخامسة فى إنتاج الشاي، وقد تعلمنا توصيات زراعة البن عن طريق المعايشة الفعلية وسط مزارع البن والشاي، ومن هنا جاءت فكرة زراعة البن على أرض مصر، وتحديدًا من قرية النجاح التابعة لمركز بدر فى محافظة البحيرة، كما أن اختيار المكان كان له مسببات مهمة، على رأسها ملائمة الظروف الجوية وطبيعة التربة لهذا النوع من الزراعات.

"حلم نقل تجربة فيتنام لمصر فى زراعة البن" لم يكن فى البداية سهلًا، خاصة مع تعدد الآراء بين الباحثين بشأن صعوبة زراعة البن فى مصر بسبب الظروف الجوية”.. أضاف "هندي" أن مع التغيرات المناخية في الآونة الأخيرة والتى أسهمت فى توفير المناخ المناسب لهذا النوع من الزراعات قررنا نقل الفكرة، والإصرار على زراعتها فى أرض البحيرة، بعد الاستفاضة فى دراسة جميع الأفكار والتوصيات والنصائح الخاصة بزراعة البن قبل نقل الفكرة، حددنا أصنافا معينة بعد تجارب عديدة لأن نصل إلى هذا الإنجاز، وبالفعل وفقنا الله فى المهمة، ونجحنا فى زراعة الأصناف التجارية فى قرية النجاح بمركز بدر، أحد أهم المراكز الزراعية فى محافظة البحيرة.


محمد هاشم

استكمل الحديث "محمد هاشم" استشارى زراعة البن وواحد من القائمين على التجربة، حيث أكد أن هناك خطة تم تحديدها بعد الانتهاء من نجاح المشروع للبدء فى تعميم زراعة البن بالمناطق المناسبة، وقد وضعنا عدة اشتراطات للموافقة على دعم المزارعين بالشتلات، منها عمل تحليل للتربة، وقياس نسبة الملوحة بها لضمان نجاح الزراعة، ثم التعاقد مع المزارعين منذ بدء الزراعة واستلام الشتلات وحتى الإنتاج، على أن نلتزم نحن بمتابعة التوصيات والممارسات الزراعية الصحيحة لزراعة البن على الأرض، كما نلتزم أيضًا بشراء المحصول من المزارعين، وقد نجحنا بفضل الله فى إنتاج 21 صنفا تجاريا ناجحا لزراعة البن فى مصر، مؤكدًا أن فكر الزراعة على دراسات عملية ونظرية للتوصل إلى مستويات إنبات تتجاوز الـ 95 % البيئة الزراعية المناسبة والمجهزة لتلائم طبيعة نبات البن.

أما عن "مذاق" البن أشار هاشم أن التربة المصرية غنية بالعناصر التى تناسب زراعات عديدة، وتحديدًا مع التغيرات المناخية التى يشهدها العالم، وهنا يمكن القول إن البن المصرى على أرض البحيرة يتمتع بالمذاق المعروف عن محصول البن، وباعتبار أن مصر بلد مستورد ومستهلك للبن، فلدينا حلم كبير أن نصل إلى الإنتاج المستهدف بعد نجاح وتعميم التجربة، كما أن المشروع الجديد يضم 500 ألف شتلة يمكنها زراعة ما يقرب 700 فدان كمرحلة مبدئية، مضيفًا أن الهدف من زراعة أصناف البن التجارى هو توفير العملة الصعبة لمصر، ودعم اقتصادنا الوطني، وتحقيق أعلى عائد للمزارع.

فاتورة الاستيراد باهظة

ولو تحدثنا بالأرقام، فقد ارتفعت قيمة واردات مصر من البن بنسبة 42.7% خلال عام 2024 لتسجل 279.55 مليون دولار، مقابل 195.86 مليون دولار خلال عام 2023، بزيادة 83.69 مليون دولار، وفقا لنشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وبحسب بيانات نشرة التجارة الخارجية، استوردت مصر البن غير محمص وغير منزوع الكافيين بقيمة وصلت إلى 191 مليون دولار خلال أول 6 أشهر من 2025، وهو ما يؤكد أن مصر بلد مستوردة للبن، وتحتاج إلى مساع حقيقية لتبنى زراعة أصناف مناسبة من البن.

مجموعة من التساؤلات المهمة وجهها عدد من المزارعين فى عدد بمراكز وقرى محافظة البحيرة الذين حضروا لحظة الإعلان عن تفاصيل المشروع.. وقد كانت هذه التساؤلات تدور حول إمكانية نجاح زراعات البحيرة فى مناطق وقرى محافظة البحيرة، وما مفهوم زراعة البن فى مصر، والعائد من هذه الزراعة، وآليات التعامل مع هذا النوع الجديد من المحاصيل، والممارسات الزراعية المطلوبة، وآليات ضمان نجاح هذه الزراعات، وقد ناقش هذه الأسئلة كل من المهندس محمد عوض خبير زراعة البن فى السودان، المزارعين منهم أحمد حلمي، والسيد عبد العزيز، وشوقى مبروك، ومحمد زكريا، وعبد العظيم محمود.


د.نهاد مصطفى

الإجابات بشكل علمى كانت فى آراء بحثية وعلمية نطرحها فى السطور التالية.. والبداية كانت الدكتورة نهاد مصطفى أستاذ الزراعات الاستوائية واستشارى زراعة البن بمركز البحوث الزراعية، أكدت أن تجربة زراعة البن فى مصر تمثل تقدمًا علميًا مهمًا بعد عقود من المحاولات، لكنها لا تزال فى إطار البحث والتجربة، ولم تصل بعد إلى مرحلة التوسع التجاري، كما أن البن من المحاصيل الاستوائية الحساسة التى تحتاج إلى ظروف بيئية خاصة، على رأسها درجات حرارة معتدلة، ورطوبة مرتفعة، ونظم ظِل مناسبة، وهو ما شكّل تحديًا أمام زراعته فى مصر خلال العقود الماضية.

وأوضحت أن أولى المحاولات البحثية الجادة بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما تم إدخال شتلات بن إلى مصر فى إطار تبادل علمي، إلا أن غياب الصوب الزراعية المتطورة آنذاك، وعدم توافر الخبرة الكافية، حال دون تحقيق نتائج ملموسة، كما أنه مع التطور العلمى الحالي، وتغير بعض الأنماط المناخية، وإتاحة نظم زراعة أكثر تقدمًا، أعدنا دراسة إمكانية تكيف نبات البن مع البيئة المصرية، سواء داخل الصوب أو فى الزراعة المكشوفة تحت مظلات طبيعية من الأشجار، مشيرة أن التجارب التى أُجريت بمحطة بحوث القناطر الخيرية التابعة لمركز بحوث البساتين أظهرت نجاحًا مبدئيًا فى نمو الأشجار وإنتاج ثمار البن، خاصة عند زراعتها فى أماكن توفر الظل الجزئى والرطوبة المناسبة.

وأكدت الدكتورة نهاد مصطفى أن المقارنة بين الزراعة داخل الصوب والزراعة المكشوفة كشفت أن الأخيرة قد تكون ممكنة فى بعض المناطق، بشرط الالتزام بإدارة دقيقة للري، والتسميد، والحماية من الإجهاد الحراري، مشددة على أن هذه النتائج لا تعنى تعميم التجربة دون ضوابط، كما حذرت من التسرع فى الحديث عن زراعة البن كمحصول بديل أو اقتصادى فى الوقت الراهن، قائلة: "نحن نتعامل مع تجربة بحثية، والنجاح الحقيقى لا يُقاس فقط بإنتاج الثمار، بل بجودة البن الناتج، ومدى ثبات الإنتاج، والجدوى الاقتصادية مقارنة بتكلفة الزراعة".

مضيفة أن الفريق البحثى يعمل حاليًا على تحليل الخصائص الكيميائية والحسية للبن المنتج، ودراسة محتواه من الكافيين وجودته مقارنة بالبن المستورد، إلى جانب تقييم قدرة النبات على الاستمرار والإنتاج المنتظم فى الظروف المحلية.


د. فيصل الشايب

وقال الدكتورفيصل الشايب استشارى الزراعة الاستوائية بمركز البحوث الزراعية: إذا نظرنا إلى بلد مثل اليمن والذى يعتبر البن العربى علامة مميزة لهذا البلد المتنوع، الذى عرفه العالم من خلال البن الاربابيكا المميز لكنه الآن يعانى تحت وطأة الخلافات الداخلية والتناحر من تراجع المساحات المنزرعة بالبن وانخفاض الإنتاجية وحجم التصدير، والحقيقة إنها ضربة قوية لاقتصاد بلد عربى طالما عرفه العالم بأنه مهد واحد من أفخم أصناف البن التى تسابقت الدول الاستعمارية السابقة كبريطانيا فى الحصول على هذه الثروة والاستئثار بها.

وأضاف، فى ظل التغيرات المناخية الحالية أعتقد أنه قد حان الوقت لاستكشاف تأثيرات تلك التغيرات ومميزاتها التى ستمنحنا فرصا عديدة فى إنتاج محاصيل لم تكن معروفة لدينا إلى جانب سلبياتها المعروفة للجميع، ومحاولة استغلال هذه التغيرات فى المناخ لتوطين زراعات ما كان مناخنا مهيئا لها من قبل مثل البن وأيضا الشاى لأنهما أكثر السلع المستوردة زيادة فى حجم الاستهلاك خلال السنوات الأخيرة ويجب أن ننظر بعين فاحصة وذكية إلى لائحة وارداتنا الغذائية واستهداف الاكتفاء الذاتى من ما يمكن أن نزرعه أو نصنعه بأيدنا دون اللوجوء الى الاستيراد.


د. شكرية المراكشى

من جانبها قالت الدكتورة شكرية المراكشي، خبيرة الزراعة المستدامة والمحاصيل غير التقليدية: إن شجرة البن تُعد من أهم النباتات الاقتصادية على مستوى العالم، باعتبارها المصدر الرئيسى لحبوب القهوة، أحد أكثر المشروبات استهلاكًا عالميًا، مؤكدة أن اعتماد مصر شبه الكامل على استيراد البن يمثل عبئًا متزايدًا على الميزان التجارى وضغطًا مباشرًا على العملة الأجنبية، وأن الحديث عن إمكانية زراعة البن فى مصر يجب أن ينطلق من منظور علمى واقعي، بعيدًا عن المبالغة أو الرفض المسبق، موضحة أن أى محصول جديد لا يمكن الحكم عليه إلا من خلال التجارب الميدانية الدقيقة والبيانات الموثقة.

وأوضحت أن نبات البن ينتمى إلى العائلة Rubiaceae ويُعرف علميًا باسم Coffee spp. وتكمن أهميته الاقتصادية فى القيمة المضافة المرتفعة التى يحققها بعد التصنيع، وهو ما يمنح التجارب المحلية لزراعته بعدًا استراتيجيًا حتى وإن بدأت فى نطاق محدود، مشيرة إلى أن شجرة البن تحتاج إلى ظروف بيئية خاصة، أبرزها درجات حرارة تتراوح بين 12 و26 درجة مئوية، ورطوبة مرتفعة، وتربة جيدة الصرف غنية بالمادة العضوية، مؤكدة أن البن لا يتحمل الجفاف لفترات طويلة، ويعتمد بشكل أساسى على انتظام الرى وتوفير الظل الطبيعى أو الصناعى لتقليل الإجهاد الحراري.

وفيما يتعلق بالتجارب التى أُجريت داخل مصر، قالت الدكتورة شكرية المراكشى: إن عددًا من الجهات البحثية نفذت تجارب أولية لزراعة البن فى محافظات القليوبية والبحيرة والإسماعيلية وبعض مناطق الصعيد، موضحة أن النتائج أظهرت قدرة الأشجار على النمو وإنتاج ثمار فى بعض المواقع، ووصول إنتاجية بعض الحالات إلى ما بين 7 و9 كيلو جرام للشجرة الواحدة فى ظروف محسنة.

وأضافت أن زراعة البن تحت مظلة أشجار قائمة، مثل المانجو، أسهمت فى توفير بيئة أكثر ملاءمة للنمو من حيث الظل والرطوبة، مؤكدة أن هذا النموذج يعزز فكرة التعامل مع البن كنبات تحتى تكميلي، لا كمحصول رئيسى ينافس الزراعات الاستراتيجية، وأن زراعة البن فى مصر لا تزال فى الإطار البحثي، ولم يتم اتخاذ قرار بتعميمها حتى الآن، نظرًا لعدم توافق المناخ المصرى مع متطلبات زراعته التقليدية، مشددة على أن النجاح المحتمل يرتبط بتطبيق تقنيات متقدمة، من بينها أنظمة الرى الدقيقة، والزراعة المظللة، واختيار الأصناف الأكثر تحملًا للحرارة والجفاف.وحذرت من التقليل من التحديات البيئية والفنية المرتبطة بالمحصول.


د. سحرغزال

الدكتورة سحر غزال، قالت: إن أشجار البن تنمو فى البلدان الاستوائية وتحتاج إلى مناخ معتدل نسبيا، وهذا يعنى أن يجب أن لا تنخفض درجات الحرارة أبدًا عن الصفر، والأهم فى ذلك يجب ألا يكون التباين اليومى فى درجات الحرارة مفرطًا لأن أشجار البن لا تتحمله، فعلى سبيل المثال فى البرازيل حدثت موجة صقيع شديدة شكلت مشكلة كبيرة للسوق البرازيلية إذ دمرت العديد من الأشجار فقد أجبر الصقيع القوى جميع الأشجار على تحمل درجات حرارة تحت الصفر، تترواح درجة الحرارة المثالية لزراعة بن أربيكيا مثلا بين 18 و22 درجة مئوية، ولا تتحمل الأشجار تباينًا يوميًا فى درجات الحرارة يزيد عن 19 درجة مئوية تحت الصفر.


د. سحرغزال

 

اخر اصدار