تعتبر التعاونيات بوجه عام ، نموذجا تنمويا ناجحا يمكن أن يلعب دورا محوريا في دفع التنمية الاجتماعية والاقتصادية خاصة في المجتمعات الفقيرة. فعلي الصعيد العالمي، يعتبر القطاع التعاوني فاعلا رئيسيا في اقتصادات العديد من الدولى على سبيل المثال يستحوذ القطاع التعاوني على قطاع التأمين فى السويد، وأكثر من75% من التسويق الزراعي وأكثر من 60 % من صناعة الحليب والأجبان فى كندا، 40 % من تجارة فنلنندا، 50 % من القطاع الزراعي فى ألمانيا قائم على التعاونيات، إضافة إلى 20 % من قطاع البنوك، كما أن 13 % من إنتاج الكهرباء فى الولايات المتحدة يقوم بها القطاع التعاونى، وتبلغ مساهمة القطاع التعاونى فى الدنمارك 97 % فى قطاع جمع اللبن، و 38 % فى القطاع الاستهلاكى، و 70 % من النشاط الاستهلاكي فى الكويت، وربع الخدمات الصحية في الهند وتركيا وكولومبيا يقدمها القطاع التعاوني .
وضع التعاونيات في العالم
عالميا، تنتشر التعاونيات في نحو 98 دولة وينتمي إليها ما يقرب من 3 مليار عضو أي نصف سكان العالم تقريبا. و يقدر عدد التعاونيات بنحو 3 مليون تعاونية ونحو مليار عضو وتحقر إيرادات قدرت بنحو 3 تريليون دولار. ووفقا لتقديرات منظمة العمل الدولية، فإن عدد الوظائف التي تولدها التعاونيات أو التي تضمن استمراريتها تصل إلى نحو 280 مليون وظيفة لما لا يقل عن 10 % من إجمالي المشتغلين في العالم. وتعتبر التعاونيات الزراعية من أكثر التعاونيات نجاحا على مستوي العالم فعلى سبيل المثال تستحوذ التعاونيات الزراعية على حصة سوقية تتراوح بين 50 -60% من إجمالي العوائد في القطاع الزراعي والصناعات الغذائية في الاتحاد الأوروبى وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تمثل الحصة السوقية للتعاونيات 33% لكل من عمليات التصنيع والتسويق وتوريد المدخلات. وفي استراليا ونيوزلاند، تستحوذ التعاونيات التسويقية في مجال الألبان على حصة سوقية تزيد عن 60 ،% 90 % علي التوالي. وعلى مستوي أمريكا اللاتينية، تعتبر تعاونيات الألبان في الأرجنتين وتعاونيات البن في البرازيل صاحبة الريادة على مستوي القطاعات سواء من حيث حصتها السوقية في السوق المحلي أو على مستوي الصادرات .
في الحالة المصرية، تعد التعاونيات الزراعية من أقدم نماذج التعاونيات التي نشأت في مصر لأسباب منطقية وجيهة، إلا أنها لم تقم بدورها الأصيل ككيان تشاركي غير حكومي يعمل لصالح المزارعين ويدار ذاتيا وفقا لرؤيتهم. وبالتالي فإن تغيرطبيعة الاحتياجات الحالية لهذا النموذج يفرض تغيرا جذريا في منظورنا له باعتباره قطاع واعد لديه فرص جاهزة للمساهمة في التنمية الزراعية وتحسين مستوي معيشة المزارعين.
تعتبرالتعاونيات نموذجا للاقتصاد التشاركي الاجتماعي الذي يعظم من مكاسب الفرد خاصننة الصغير سواء كان منتجا أو مستهلكا أو من رواد الأعمال من خلال ضمه لكيان أكبر ينظم الجهود ويمكنه من الاستفادة من اقتصاديات الحجم وبالتالي استفادة الفرد من هذا الكيان في تحفيز أهدافه الإنتاجية والتسويقية وكذلك زيادة القوة التفاوضية مع الفاعلين الآخري.
بالتزامن مع تطبيق برنامج الإصلاح الزراعي في الخمسينيات وما نتج عنه من تفتت الرقعة الزراعية، أنشئت التعاونيات الزراعية لأسباب هامة وهي الجمع بين حافز الملكية الفردية وإدارة الأراضي وفقا لاقتصاديات الحجم ويمكن من خلالها توسيع نطاق استفادة المزارعين من الخدمات المختلفة وامتلاك القدرة التفاوضية بداية من الشراء أو التوريد الجماعي للحصول علي الأسمدة والمبيدات وكافة المستلزمات الزراعية والحيوانية بأسعارمخفضة وحتي البيع الجماعي بأعلى الأسعار، تيسير الحصول على التمويل اللازم للآلات والمعدات، وزيادة جودة المنتجات ورفع قيمتها المضافة.
لم تعمل التعاونيات الزراعية فى مصر في أي وقت بالمفهوم السليم لها بل تحولت إلى أداة مالية للدولة تستخدمها لإدارة القطاع الزراعي الذي تحول جزء كبير منه للقطاع الخاص وذلك من خلال احتكار توريد الأسمدة والبذور والمبيدات وكذلك شراء المحاصيل الاستراتيجية.
ومع تحرير الزراعة المصرية منذ أواخر الثمانينيات وتراجع الدور الحكومي لإدارة القطاع الزراعي والتحول إلي اقتصاد السوق ، لم تشهد التعاونيات التغير الذي يمكنها من أداء دورها الأصيل في خدمة المزارعين وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وتحفيز التنمية الزراعية. وظل دور التعاونيات هامشيا بالنسبة للمزارعين إلا أنها ما زالت موجودة ككيانات حكومية من حيث أموالها وموظفيها وإدارتها.
الواقع أن التعاونيات الزراعية، بصورتها الراهنة، غير قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي اتجهت نحو مزيد من المنافسة وآليات السوق. وهو ما أفقدها قدرتها على جذب استثمارات أعضائها، لا سيما صغار المزارعين، وأضعف ثقتهم في جدوى العمل التعاوني. ونتيجة لذلك، حُرم هؤلاء المزارعون من فرص حقيقية للوصول إلى التكنولوجيا الزراعية الحديثة، والمدخلات عالية الجودة، والأسواق المنظمة، الأمر الذي انعكس سلبًا على نصيبهم من القيمة المضافة، وكرّس هشاشة أوضاعهم الاقتصادية.
التعاونيات الزراعية فى مصر لا تطابق المعايير الدولية للحركة التعاونية
- فيما يتعلق بطبيعة الإطار المؤسسي:
طبقا للمعايير الدولية للحركة التعاونية ، تعتبر التعاونيات إطارا مؤسسيا غير حكومي لمجموعة من الأفراد اتحدوا بإرادتهم لتلبية احتياجاتهم وتطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المشتركة ويتم إدارة هذا الإطار بشكل تشاركي ديموقراطي.ورغم أن القانون المصري يعترف نصا بهذه المعايير ، إلا أنه علي المستوي التنفيذي، تشهد الجمعيات التعاونية تدخلا حكوميا واسعا .فأموالها في حكم الأموال العامة والعاملون بها وأعضاء مجالس إدارتها في حكم الموظفين العمومين، القرارات مركزية ومثال على ذلك تحديد كمية الأسمدة و أسعارالمحاصيل الاستراتيجية، الجهات المشرفة على التعاونيات لها الحق في أن تكون ممثلة في اجتماعات مجلس إدارة الجمعيات، وأنها ترشح المديرين في المستويات العليا من التعاونيات ولها الرأي الفاصل في تعيين المديرين على المستوم المحلي، ويمكنها الاعتراض على قرارا مجلس الإدارة.
- فيما يتعلق بالإطار التشريعي :
ينطوي النموذج التعاوني الصحيح علي تشريع واحد لكافة التعاونيات أو تشريعات متعددة لكن يحكمها مباديء عامة واحدة ، علي أن تكون تشريعات واضحة وشاملة ومتسقة ومتوازنة تضمن حقوق الجميع وتحفزالمحاسبية للأعضاء بجانب الجهات الرقابية تضمن التشريعات :
- حد أدنى من التدخل الحكومي
- أدنى درجة من الإنفاق الحكومي
- أقصى درجة من اللامركزية
- أقصى درجة من الديمقراطية
ويعود جانب كبير من هذا الضعف إلى الإطار التشريعي الحاكم للحركة التعاونية، والذي يستند إلى قانون قديم صدر خلال مرحلة هيمنة التدخل الحكومي الواسع في النشاط الاقتصادي. هذا القانون، بتشابك هياكله وتعدد مستوياته التنظيمية، لم يعد متوافقًا مع متطلبات اقتصاد السوق الذي بدأت الزراعة المصرية في تبنيه منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وقد أسفر ذلك عن تشوهات مؤسسية، وحدّ من كفاءة الجمعيات الأساسية على مستوى القرى، كما قيد قدرتها على تطوير أنشطة تسويقية مستقلة ومرنة. وقد تضمن التشريع الحاكم للتعاونيات الزراعية فى مصر، وهو القانون رقم 122 لسنة 1980 ، العديد من المواد التي تتناقض مع المباديء العالمية للتعاونيات ، ومنها:
- نص على أن أموال الجمعيات في حكم الأموال العامة والعاملين بها وأعضاء مجالس إدارتها في حكم الموظفين العمومين.
- ضوابط تحد من توسيع نطاق العضوية الطوعية/ وتعوق نظام الإدارة الحر والمستقل والديمقراطي.
- تعديلات القانون التي تمت عام 2014 قصرت مشاركة صغار الفلاحين في مجالس الإدارة على 8% فقط ، فضلا عن تعديل يتعلق بأحقية التعاونيات فى إقامة مشروعات إنتاجية.
- فيما يتعلق بالتمويل:
فى إطار النموذج التعاوني الصحيح تتنوع مصادر التمويل لأنشطة التعاونيات ، وتشمل حصص الأعضاء والاشتراكات والتمويل الحكومي والرسوم مقابل خدمات والقروض ، كما تنجح العديد من التعاونيات في تحفيز هامش ربح يحق لها التصرف فيه إما بتوزيعه أو إعادة استثماره.
أما بالنسبة للنموذج المصري ، فتعاني التعاونيات من :
- موارد مالية محدودة.
- عدم وجود بنك ائتماني تعاوني يمكن التعاونيات من الدخول في أنشطة ومشروعات ذات نطاق أوسع.
- نظام تمويلي غير محفز على تحفيز أرباح والتوسع في أنشطة وخدمات التعاونيات حيث حدد القانون نسبا ثابتة لتوزيع الأرباح ، حيث نص على توزيع من 50 -55% لغير الأعضاء والباقي للأعضاء.
يتبين من مقارنة نموذج التعاونيات الزراعية في مصر مقابل أفضل الممارسات التعاونية ، وجود فجوة كبيرة بين النموذج المصري ونموذج الممارسات التعاونية الصحيحة ، حيث تعد التعاونيات الزراعية في مصر كيانات حكومية ذات هيكل تنظيمي معقد يحكمها قانون يخالف المباديء العالمية للتعاونيات مما يجعلها أذرعا تنفيذية للحكومة وهو الأمر الذي يفقدها التوجه الاستراتيجي الذي يعكس تطلعات أعضائها والديناميكية والكفاءة المطلوبة في الأداء ويحد من فرص تطويرها ويفقد الأعضاء الإحساس بالملكية، ويجنبهم المشاركة الحقيقة في الإدارة والتطوير. كذلك تبين من توصيف التعاونيات في مصر أنه بالرغم من انتشارها ومنطقية دوافع نشأتها، إلا أنها لم تعمل في أي وقت بالمفهوم السليم لها وبالتالي أصبحت كيانات حكومية موجودة إلا أنها هامشية في خدمة القطاع الزراعي وتحسين مستوم معيشة المزارعين.
النموذج المطلوب للتعاونيات الزراعية فى مصر وإجراءات الانتقال إليه
تحتاج مصر بشدة إلى نموذج جديد للتعاونيات تازراعية يحفز الانطلاق التنموي المطلوب يتم بناؤه بالاستفادة من أفضل الممارسات العالمية مع مراعاة خصوصية الحالة المصرية. ويعزز الانتقال إلى النموذج الجديد وجود نص دستوري يوجب على الدولة رعاية التعاونيات ودعمها بكل صورها. وينطلق النموذج الجديد من نظرة عصرية مختلفة للتعاونيات باعتبارها شريكا تنمويا أساسيا، بجانب الحكومة والقطاع الخاص وفاعلا رئيسيا يساهم في تنمية المجتمعات المحلية اقتصاديا واجتماعيا وفي تحسين مستوم معيشة الأفراد والخروج من دائرة الفقر والعمل غير الرسمي.
يتم الانتقال إلى النموذج الجديد تدريجيا وبعد التأكد من توافر مقومات نجاحه والتي تتمثل في الإجراءات التالية:
- مراجعة لنظرة الدولة للتعاونيات باعتبارها شرريك تنموي رئيسي يساعدها في تحفيز الأهداف الوطنية على المستوي المحلي، ويتطلب نجاح هذا النموذج إفساح المجال له للعمل بحرية ومرونة مما يعني حدا أدني من التدخل الحكومي.
- دور داعم من الدولة للنموذج الجديد يقوم بدور تنظيمي بالأساس يتضمن ما يلي:
- وضع الخطوط العريضة فقط لهذه الكيانات دون الدخول في تفاصيل إدارتها
- ضمانات توازن العلاقات الداخلية بين كبار وصغار الأعضاء
- حوافز لتشجيع كبار المنتجين على الانضمام للتعاونيات ومساعدة صغارالمنتجين
- تنظيم العلاقنة بين التعاونينات وباقي الفاعلين الآخرين في السوق بما يحفز التنافسية ويمنع أي ممارسات احتكارية
- تقديم تسهيلات في إنشائها ودعم فني ونشر النماذج الناجحة
- استكمال الأطر التشريعية التي تضمن نجاح هذه الكيانات وتحديدا تطوير اللامركزية من خلال الانتهاء من تعديلات قانون الإدارة المحلية.
- تغير جذري في القانون المنظم للتعاونيات بما يحقق لها الاستقلالية والكفاءة والفاعلية بحيث تكون مهمتنه تنظيم العلاقنة بين التعاونينات وباقي الفاعلين مع ترك قواعدها التنظيمية لتوضع داخليا مع الالتزام فقط بالمباديء العامة التي تضمن التوازن في حقوق الجميع كبار وصغار الأعضاء.
- نشر الوعي التعاوني من خلال وسائل الإعلام والإرشاد الزراعي لتثقيف المزارعين بالنموذج الجديد للتعاونيات والفرص التي يمكن تحقيقها من خلاله وآليات ممارسة العمل التعاوني ومقومات نجاحه.
التعاونيات الزراعية والبحوث والإرشاد : ثلاثية مؤسسية تفتقدها الزراعة المصرية فى الوضع الراهن
تعاني الزراعة المصرية فى الوقت الراهن من فراغ مؤسسي كبير بدأ منذ نحو أربعة عقود ، وبالتحديد عندما تم تحريرها والتحول من السيطرة الحكومية إلي اقتصاد السوق اعتبارا من السنة الزراعية 1986/1987 . وكان من المفترض حينئذ أن يجري إعادة صياغة الإطار المؤسسي للقطاع الزراعي ،بما يشتمل عليه من تشريعات وسياسات ومنظمات ، لكي يتواكب مع مقتضيات اقتصاد السوق. وبدلا من اتخاذ هذه الإصلاحات المؤسسية فى حينها،جرت الأمور علي ما هي عليه مؤسسيا حتى عام 2014 ، حيث تم إصدار عدد من القوانين الزراعية ، منها قانون التكافل الزراعي (التأمين الزراعي) والزراعة التعاقدية فضلا عن إضافة بعض البنود إلي قانون التعاون الزراعي 122 لسنة 1980 السابق الإشارة إليه، والذي أوضحنا أنه أصدر فى ظل اقتصاد مركزي ، ومن ثم لم يكن مطابقا للمفهوم الصحيح للتعاون. والآن وبعد نحو اثتي عشر عاما ، ما زال الوضع مؤسسيا علي ما هو عليه باستثناء تفعيل قانون الزراعة التعاقدية. يضاف إلي ذلك ، ثنائية ضألة المخصصات المالية للبحوث والتطوير فى الزراعة وتعطل خدمات الإرشاد الزراعي.
إن إصلاح هذه الثلاثية المؤسسية ، التي تشمل التعاونيات الزراعية والبحوث والتطوير الزراعي والإرشاد الزراعي ، لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة تفرضها التحديات الجسيمة التي تواجه الزراعة المصرية والأمن الغذائي ، ومن أهمها الآثار المترتبة علي الزيادة السكانية والتغيرات المناخية والسدود الإثيوبية. ومن ثم ينبغي الإسراع بإصدار قانون جديد للتعاون الزراعي، يؤكد استقلالية التعاونيات ككيانات اقتصادية تنافسية، ويمنحها المرونة اللازمة لبناء شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص.ومن ناحية أخري ينبغي رفع مخصصات البحث والتطوير الزراعي إلي ما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي الزراعي، وإعاده هيكلة وتحديث جهاز الإرشاد الزراعي. وتجدر الإشارة إلي أن إصلاح هذه الثلاثية المؤسسية، هو نقطة البداية الحقيقية للتنمية الزراعية المستدامة.
دكتور جمال صيام - أستاذ الاقتصاد الزراعي- كلية الزراعة ، جامعة القاهرة