16 منتجا اقتصاديا من الدرنات.. ومواد كيميائية عالية القيمة من الأوراق
الصين رقم صعب في التدوير.. والفلاح المصرى «شاطر» يفنى حياته فى الأرض
المخلفات ثروة تفوق الحاصلات بحسن الاستغلال.. وتكاتف الأيدى يحدث ثورة بالصناعة
كثيرا ما تناولت سطور الصحف المخلفات الزراعية وأهميتها الكائنة في تدويرها، ولكن تتعدد التجارب وتتنوع باختلاف المحاصيل الزراعية التي تلهم المعنيين بها، وفي تجربة
الدكتور شاهر نور الدين، الخبير فى مجال تدوير المخلفات، والباحث بوزارة البيئة، ما دفع «الأهرام التعاوني» لإجراء حوار معه يتحدث فيه عن تجارب ملهمة فى تدوير المخلفات الزراعية فى مصر.
نور الدين سلط الضوء على ملف تدوير المخلفات الزراعية، وتطرق إلى أهمية تضافر الجهود بين قطاعى الزراعة والبيئة للارتقاء بمنظومة التدوير الأخضر والاستفادة منها والنظر إليها كثروة، خصوصًا أن
مصر تنتج سنويا بين 35 مليونا إلى 40 مليون طن مخلفات زراعية، من أبرزها محاصيل البنجر التي تكمن في السطور..
ماذا عن قصة تدوير المخلفات الزراعية معكم؟
تجربتى مع تدوير المخلفات تبدأ من التصنيع الزراعي، وقبل الحديث عن المخلفات الزراعية يجب معرفة: كيف تزرع محصولا مناسبا لتخصيب الـ 16 عنصرا الأساسية اللازمة للنبات والأرض، ومن ثم الحفاظ على الدورة الزراعية الطبيعية، الجزء الثانى فى العملية الإنتاجية الزراعية هو الدورة الحياتية للحيوان والإنسان بداية من البكتيريا ودود الأرض مرورا بالإنسان وآكلات العشب.. الزراعة هى هذا العالم الفسيح بما يشمله من تنوع بيولوجي، ويصدر عنها مخلفات من المفترض أن نتعامل معها على أساس أنها جزء من هذا التنوع البيولوجي، وليس كعبء يجب حرقه؛ لأن حرق النعمة يتحول إلى نقمة بيئية.
بوصفكم مزارعا فى الأساس، كيف ترى تطبيق الدورة الزراعية فى مصر الآن؟
مفترض أن الدورة الزراعية تحمى المحاصيل وتضمن تنوعها وتلبيتها للسوقين المحلى والدولى، كما تحمى التربة من الإجهاد، لكنها لا تطبق للأسف، مثلا كان يجب أن تشمل الدورة الزراعية محصولا مهما مثل القطن، لكن هذا لا يحدث، فتراجع المحصول بشكل قطعى وأثر سلبا فى الاقتصاد المصري.
كيف كانت تجربتك مع زراعة القطن طويل التيلة الموصى به هذا الموسم؟
أنا من المزارعين الذين خسروا نتيجة لزراعة القطن، مصر كانت تحظى بقيمة زراعية كبرى بالقطن المصرى الذى كانت تنبثق عنه 3 منتجات: المنسوجات والزيوت والكسب، وحين تراجعت زراعة القطن وأصبح الإنتاج ضعيفا، تراجع ترتيب مصر من المنسوجات، ثم تراجع زيت بذرة القطن الذى كان فى الماضى يصرف على بطاقة التموين، ثم الكسب الذى كان يدخل فى الأعلاف، ما أدى إلى فجوة كبيرة فى الأعلاف لن نستطيع الاستغناء عنها، فالبروتين فى الكسب يصل إلى 22 % بمعنى أنه أعلى من البرسيم، كما أنه يحتوى على أملاح وأحماض أمينية ومواد تعطى بروتينا صافيا. كما نتج عن عدم زراعة القطن تراجع الأيدى العاملة. باختصار كان هناك اقتصاد دائرى كله مرتبط ببعضه، أدى إلى وجود خلل فى الدورة الزراعية، فالقطن يزرع كل 3 سنوات فى الأرض، ما يعنى أن هذا يؤدى إلى وضع دورة زراعية سليمة.
لنعد إلى المخلفات الزراعية، ما النتائج التى توصلت إليها فى أبحاثك التطبيقية على مخلفات بنجر السكر؟
تدوير مخلفات البنجر أحد المشروعات التى عملت عليها لفترة طويلة بحكم عملى البحثى وعملى فى الأرض، فأول مصنع لبنجر السكر تم إنشاؤه سنه 1978 فى كفر الشيخ مسقط رأسي. وهو محصول استراتيجى فيه جزء درنى وجزء خضري، وهو يزرع فى شهرى 10 و11. يجود فى الأراضى المالحة، كما يجود فى فى الأراضى القديمة، مجموعه الخضرى كبير جدا ودرنى قليل، وعند الحصاد ينقسم مخلف البنجر إلى الورق وبقايا الدرنات.
ورق البنجر ثروة لكن لأنه غير منتشر لم تنتبه إليه الدولة والمستثمرون له بالقدر الكافي؛ حيث يدخل فى العلاجات مثل السرطان، وتستخرج منه مواد كيمياوية ذات أهمية اقتصادية كبرى مثل «الكيتين» و«السيتين» و«البكتين» بكميات كبيرة وذات كفاءة اقتصادية عالية، والدراسات التى أجريتها على الورق هو استخراج المواد الفعالة السابق ذكرها، بالإضافة إلى السيليوز ونوع من البلاستيك الطبيعي.
وماذا عن النسب المستخلصة من أوراق البنجر؟
النسب المستخلصة تتراوح بين 2.5 و3 % من الورق، وهى بالمناسبة نسب معقولة، كل فدان بنجر فى الأراضى الجديدة يستخرج منه نحو 3 أطنان من الأوراق التى تعد مخلفات زراعية، إذا كان صاحب الأرض محظوظا فسيبيع الطن بنحو 1000 جنيه للغنامة وأصحاب مشروعات الأعلاف وتجار الأعلاف، لكن هذه الاستخدامات تعظم من القيمة الاقتصادية لمخلف البنجر؛ فالطن الواحد يُستخرج منه نحو 30 كيلو كيتين، يباع الكيلو بـ 200 دولار فى الأسواق الخارجية، وبالمناسبة مصر تستورد معظم المواد المستخرجة من مخلفات البنجر.
ما متطلبات المشروع من حيث الفنيات والعمالة وغير ذلك؟
استخلاص واستخراج المواد الفعالة من أوراق البنجر هو عملية سهلة، لكنه يحتاج إلى متخصصين كيميائيين بالطبع، ويحتاج المشروع إلى توفير مواد كيميائية لفصل المواد الفعالة بالطبع. إذا افترضنا أننا سنستخرج «الكيتين» فقط من الأوراق فستكون له معاملة معينة، وإذا افترضنا أننا سنستخرج السيليوز فقط فستكون له معاملة كيميائية أخرى، وهكذا.
وأود أن أشير إلى أن دولا كثيرة انتبهت إلى فوائد أوراق البنجر وصار يدخل فى صناعة أدوية السرطان، كما يدخل فى تعليب الأدوية وصناعة البلاستيك الطبيعى وغيرها من الصناعات الحيوية المهمة.
هل تجاربكم على مستوى المعمل فقط أم قمت بدراسات عملية على نطاق واسع؟
الأبحاث التطبيقية مادام تم إثباتها على مستوى المعمل وتم تقييمها واختبارها فستنجح بالطبع على أرض الواقع، وتجاربى الشخصية مع هذه المخلفات قضيت فيها سنوات فى أرضنا بكفر الشيخ التى نزرعها بالبنجر، بالإضافة إلى الدراسات المعملية. وأزيدك بأن مخلفات درنات البنجر يتم استخراج 16 منتجا منها «باى بروداجت» منها الأزوت والمولاس. فى الماضى كانت مصر تصدر مخلفات البنجر (الدرنات فقط) لدولة فرنسا، وتبين أنها تستخدمه فى صناعة حفاضات الأطفال والفوط الصحية للألياف المتوافرة فيه.
على ذكر فرنسا، كنت فى رحلة عمل فى الصين وشهدت هناك تجارب ملهمة فى تدوير المخلفات الزراعية.. ماذا عنها؟
"الصين بيعملوا حاجات تجنن"! الصين أصبحت متطورة فى تدوير المخلفات الزراعية بطريقة رهيبة، وخاصة فى إنتاج البيوجاز اعتمادا على ما يسمى «الميتا جينيوم»، وهى تقنية غير موجودة على مستوى العالم إلا فى الصين وفرنسا.
مصر تنتج البيوجاز منذ 10 سنوات على الأقل، ما الجديد في إنتاج هذا الغاز الحيوي؟
ما لفت نظرى أن البيوجاز في الصين عمره 50 سنة، فى حين بدأنا فى مصر فى الاهتمام به منذ عام 2017. المشروع الأساسى لإنتاج البيوجاز المصرى كنت مشاركا فيه، ونما على يدي، ونسبة استخراج البيوجاز التقليدى فى مصر 30 % من الكتلة الحيوية التى تدخل لوحدة البيوجاز، أما فى الصين فقد وصلت نسبة الكفاءة إلى 98% !.
تقنية «الميتا جينيوم» تستطيع أن تصل بنسبة تفاعل المواد البكتيرية إلى 90 % ثم 98 % وهم يحسبون تداخل وخلط المخلفات مع بعضها بوحدات قياس بالملي، فمثلا يقومون بخلط الحمأة مع بعض المخلفات الزراعية مع مخلفات أخرى تتفاعل مع بعضها بكفاءة منقطعة النظير لإنتاج الطاقة. وهم نجحوا فى إنتاج هيدروجين السيارات من وحدات البيوجاز.
تمتلك الصين 300 محطة لإنتاج البيوجاز، كل محطة مقامة على نحو 12 فدانا تنتج 11 مليون متر مكعب سنويا من غاز الميثان، و350 ألف طن كمبوست وتنتج جميعها الطاقة الكهربية بطاقة 20 ألف «تيراواط» فى الساعة، وبذلك أصبحت أكبر دولة فى العالم تنتج الكهرباء اعتمادا على البيوجاز.
هل يمكن إنتاج محطات بيوجاز مماثلة فى مصر؟
بالطبع نستطيع أن ننتج محطات مماثلة باستيراد التقنيات فى البداية ثم العمل بخبرات مصرية، تكلفة المحطة الواحدة 120 مليون جنيه على مساحة 12 فدانا، المحطة تكفى لتزويد الكهرباء والغاز لـ 77 ألف منزل، وتؤمن احتياجاتهم من الطاقة بالكامل. للحق أنا محملٌ بطموحات كبيرة لنقل هذه التجارب.
كونك بالأساس مزارعا.. كيف ترى الفرق بين المزارع المصرى والصيني؟
الفلاحون فى مصر أقوى من الفلاحين فى الصين، حين كنت أتنقل بين المزارع كنت أتعجب كيف يترك المزارعون الصينيون أراضيهم بقليل من العناية، الفلاح المصرى شاطر ويفنى حياته فى الأرض ولا يترك عود نجيلة على جسر، ولا يترك حشيشة غريبة فى أرضه، الفلاح المصرى خبرة آلاف السنين.
ما الذى ينقصنا لاستغلال مخلفاتنا الزراعية؟
نحن بحاجة ماسة لرفع كفاءة استغلال المخلفات الزراعية، والتعامل معها بوصفها ثروة وليس عبئا يجب حرقه، وهذا الدور تقوم به وزارة البيئة التى أمثلها على أكمل وجه خاصة فى السنوات الأخيرة.
أعتقد أنه ينقصنا تكاتف الأيدى والتكامل بين الجهات الحكومية والجهات البحثية. نحتاج لأن يجلس ممثلو العلم من الجهات البحثية والكليات العلمية ومتخذو القرار على مائدة نقاش واحدة متكاملة، وتربيط الحلقات المفقودة ببعضها، صدقنى وقتها ستحدث مصر ثورة فى تدوير المخلفات الزراعية وغيرها من الملفات الأخرى.

.

.