حققت مبادرة مصرية نجاحًا لافتًا في إنبات أصناف بن تجارية مميزة، لأول مرة بهذه الكفاءة، اعتمادًا على تقنيات الري المطري تحت التظليل داخل الصوب الزراعية، وهو ما يفتح آفاقًا واعدة لتوطين محصول استراتيجي تعتمد عليه الأسواق المصرية بشكل شبه كامل على الاستيراد.
وتشير البيانات إلى أن معدل استهلاك مصر من البن يصل إلى نحو 80 ألف طن سنويًا، بقيمة استيرادية تُقدَّر بنحو 280 مليون دولار خلال عام 2024، ما يجعل أي نجاح محلي في هذا الملف مكسبًا اقتصاديًا حقيقيًا يخفف الضغط على العملة الصعبة ويدعم الإنتاج الوطني.
وأكد محمد هندي استشاري، وخبير زراعة البن أن النجاح الحقيقي للمبادرة يرجع بالأساس إلى الاعتماد على منظومة الري المطري الحديث، خاصة عند دمجها بتقنيات التظليل داخل نظام الـ Net House؛ حيث ساعدت هذه المنظومة على ترشيد استهلاك المياه بشكل كبير، مع الحفاظ على معدلات الرطوبة المثالية للنبات، فضلًا عن تقليل التأثيرات السلبية لارتفاع درجات الحرارة.
وأوضح أن تطبيق الري المطري فوق شِباك التظليل أدى إلى خفض درجات الحرارة داخل بيئة النمو بمعدل يتراوح بين 15 إلى 22 درجة مئوية، وهي الدرجة المثالية لنمو شتلات البن بصورة آمنة ومتزنة، وهي تقنية مطبقة في عدد من الدول الرائدة في زراعة البن وحققت نتائج متميزة.
و أوضح أن الاختلاف بين أنواع البن ينعكس بشكل مباشر على الجودة، والسعر، والمذاق؛ حيث يتميّز بن الأرابيكا عن الروبستا في شكل الشجرة، وطبيعة النمو، وحبة البن، والطعم ونسبة الكافيين بعد التحميص.
فشجرة الأرابيكا أصغر حجمًا وإنتاجها أقل، لكنها تعطي حبوبًا ذات مذاق حلو وسلس وسكري، مع محتوى كافيين أقل وسعر أعلى في الأسواق.
بينما تتميز الروبستا بشجرة أكبر حجمًا وإنتاجية أعلى، إلا أن طعمها أثقل وتميل إلى المرارة مع نسبة كافيين مرتفعة تتراوح بين 2.4 إلى 2.7، وسعرها أقل.
وأشار إلى أن درجات جودة الأرابيكا عالميًا تصل إلى درجتين فقط، بينما تصل درجات جودة الروبستا إلى ثلاث درجات، إلا أن ما يُتداول في بعض الأسواق، ومنها السوق المصري، قد يصل إلى الدرجة الخامسة من، حيث الجودة نتيجة كثرة العيوب، مؤكدًا أن القهوة الأعلى قيمة هي التي تعتمد على أرابيكا خالصة من نوع واحد ومزرعة واحدة وبحجم حبوب موحد، وهي ما يُعرف عالميًا بالقهوة المختصة.
وأضاف أن معظم خلطات البن التركي في مصر تعتمد على خلط الأرابيكا مع الروبستا بنسب تصل إلى 30% أرابيكا و70% روبستا من أصناف مختلفة لتحقيق التوازن بين السعر والطعم، بينما تحتفظ القهوة المختصة بقيمتها العالية لاعتمادها على مصدر واحد ونمط معالجة دقيق.
وعلى المستوى الاقتصادي، تمثل زراعة البن فرصة استثمارية واعدة للمزارعين المصريين في حال التوسع المدروس في هذه المبادرة، خاصة مع الوصول إلى محصول عالي الجودة قادر على المنافسة عالميًا من حيث الطعم والقيمة التسويقية، في ظل الطلب العالمي المتزايد على البن المتميز.
ويؤكد نجاح هذه المبادرة أن توطين زراعة البن في مصر لم يعد حلمًا بعيد المنال، بل مشروعًا قابلًا للتطبيق بفضل التطور التكنولوجي في أنظمة الري والتظليل والإدارة الزراعية الذكية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الزراعة غير التقليدية ذات العائد الاقتصادي المرتفع.