رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

الإكثار الدقيق: من أنبوب زجاجى إلى ملايين الشتلات

  • 20-11-2025 | 14:14
طباعة

دكتور قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

 

مصر من أبرز التطبيقات العملية لتكنولوجيا زراعة الأنسجة النباتية ما يُعرف بـ الإكثار الدقيق (Micropropagation).

فبدلًا من الاعتماد على البذور أو العقل التقليدية لإنتاج الشتلات، يمكن لجزء نباتي صغير جدًا – لا يتجاوز بضع مليمترات – أن يتحول داخل أنبوب زجاجى إلى مئات أو آلاف النسخ المتطابقة وراثيًا.

بهذه التقنية، انتقلت زراعة الأنسجة من مجرد أداة بحثية في المعامل إلى صناعة تجارية ضخمة تنتج ملايين الشتلات سنويًا.

ما هو الإكثار الدقيق؟

الإكثار الدقيق هو عملية إنتاج نباتات مطابقة وراثيًا للأم (Clones) عبر زراعة أجزاء صغيرة من النبات مثل البراعم أو الميرستيم، تحت ظروف معقمة فى وسط غذائي يحتوي على منظمات النمو.

تتميز هذه الطريقة بأنها سريعة، وموفر للمساحة، وتعطي نباتات خالية من الأمراض.

وتستخدم تجاريًا خاصة في المحاصيل الاقتصادية التي ليس لها بذور في تكاثرها مثل نباتات الموز، والبطاطس، وقصب السكر، والأزهار، والنخيل وغيرها التي تتكثر خضريا وغالبا، وتنتقل للنسل الكائنات الممرضة من الأمهات وخاصة الفيروسات.

مراحل الإكثار الدقيق

الإكثار الدقيق يمر بأربع مراحل أساسية:

1. مرحلة التأسيس (Initiation Stage):

  • اختيار جزء نباتي مناسب (غالبًا برعم قمي أو جانبي).
  • تعقيمه وزراعته في وسط MS مزود بالسيتوكينين لتشجيع انقسام الخلايا.

2. مرحلة التضاعف (Multiplication Stage):

  •  إنتاج أعداد كبيرة من البراعم الجانبية باستخدام توازن محسوب بين الأوكسينات والسيتوكينينات.
  • هنا يمكن الحصول على عشرات البراعم من Explant واحد.

3. مرحلة التجذير (Rooting Stage):

نقل البراعم إلى وسط يحتوي على تركيز أوكسين عالي (مثل IBA أو NAA ) لتحفيز تكوين الجذور.

4. مرحلة الأقلمة (Acclimatization Stage):

نقل النباتات الصغيرة من البيئة المعقمة إلى الصوب الزجاجية، مع تدرج في التهوية والرطوبة حتى تتأقلم مع الظروف الطبيعية.

التطبيقات العملية

1. الموز:  أكبر قصة نجاح للإكثار الدقيق تجاريًا.

 إنتاج ملايين الشتلات المطابقة وراثيًا في مشاتل متخصصة بمصر والهند وأفريقيا.

2. البطاطس:

 إنتاج درنات صغيرة (Mini-tubers) من نباتات خالية من الفيروسات لاستخدامها في برامج التقاوي.

3. النخيل: 

رغم صعوبة التقنية، إلا أن زراعة البراعم القمية والأنسجة الجنينية ساعدت في إنتاج فسائل نخيل عالية الجودة.

4. الأزهار ونباتات الزينة:  الزنبق، الأوركيد، الجيربيرا – كلها تُكثَّر تجاريًا بالإكثار الدقيق لتلبية الطلب العالمي.

المميزات

• إنتاج نباتات متجانسة: مفيد جدًا في المحاصيل التجارية.

• السرعة العالية: من Explant واحد يمكن الحصول على آلاف النباتات في شهور قليلة.

• خلو النباتات من الأمراض: خصوصًا الفيروسات.

• التوسع التجاري: مشاتل كاملة تعتمد على هذه التقنية لإمداد السوق. التحديات

• ارتفاع التكلفة: تحتاج التقنية إلى معامل مجهزة وكوادر فنية مدربة.

• التباين الوراثي (Somaclonal Variation): قد يظهر أحيانًا كنتيجة غير مرغوبة، خاصة مع مزارع الكالس.

• الأقلمة: تمثل أصعب المراحل، إذ تفقد بعض النباتات قدرتها على النجاة خارج المعمل.

 

الإكثار الدقيق ليس مجرد تطبيق لزراعة الأنسجة، بل هو جسر بين البحث العلمى والسوق الزراعي.

فقد جعل من الممكن توفير شتلات عالية الجودة، متجانسة وخالية من الأمراض، على نطاق تجارى ضخم.

فى الحلقة القادمة، سنتناول إنتاج النباتات الخالية من الفيروسات (Virus-Free Plants) باستخدام تقنيات الميرستيم، ودورها في إنقاذ محاصيل استراتيجية مثل البطاطس وقصب السكر.

اخر اصدار