رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

ثورة علمية في عالم الأعلاف... التكنولوجيا الحيوية تعيد رسم مستقبل الإنتاج الحيواني


  • 13-11-2025 | 15:34

.

طباعة

 

أ.د. عبد العزيز نور

 أستاذ تغذية الحيوان والأسماك- كلية الزراعة جامعة الإسكندرية ورئيس مجلس إدارة جمعية البيئة العربية.

 تعيش مصر اليوم مرحلة جديدة من التحول العلمي والاقتصادي في قطاع الثروة الحيوانية، تقودها التكنولوجيا الحيوية التي أصبحت الأداة الأهم لتحقيق الاكتفاء الذاتي العلفي، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني. ففي ظل التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد من ارتفاع أسعار الخامات المستوردة واتساع الفجوة العلفية، تبرز التكنولوجيا الحيوية كأحد أهم مفاتيح الحل، إذ تمثل ثورة علمية حقيقية في إنتاج الأعلاف وتحسين تغذية الحيوان.

يشكل العلف نحو 70% من تكلفة الإنتاج الحيواني في مصر، ومع محدودية الموارد وارتفاع فاتورة الاستيراد التي تتجاوز 6 مليارات دولار سنويًا، أصبح من الضروري البحث عن حلول علمية واقعية تستند إلى التقنيات الحيوية المحلية.

وهنا يأتي دور التكنولوجيا الحيوية لتفتح الباب أمام صناعة علف وطنية حديثة قادرة على تحويل المخلفات الزراعية إلى موارد منتجة، وتقليل الاعتماد على الخارج، ورفع كفاءة الاستفادة من كل كيلو علف داخل المزرعة المصرية.

التكنولوجيا الحيوية في الأعلاف تعني استخدام الكائنات الحية الدقيقة والإنزيمات والفطريات والتقنيات الوراثية لتطويرالأعلاف ورفع قيمتها الغذائية.

وهي تقوم على تحويل الخامات المحلية والمخلفات الزراعية إلى أعلاف عالية الجودة، أو تحسين قدرة الحيوان على هضم وامتصاص العناصر الغذائية، ما يؤدي إلى رفع الإنتاج من اللحوم والألبان والبيض مع تقليل الفاقد.

أهم تطبيقات التكنولوجيا الحيوية في الأعلاف المصرية هى :

1. الإنزيمات الحيوية: تُضاف إلى الأعلاف لتكسير الألياف والمركبات المعقدة في الخامات المحلية مثل الردة والتبن وحطب الذرة، مما يزيد الاستفادة منها بنسبة تصل إلى 25%. وتُنتج حاليًا بعض هذه الإنزيمات محليًا بالتعاون بين مركز البحوث الزراعية والقطاع الخاص.

2. الميكروبات النافعة (البروبيوتيك): تستخدم لتحسين الهضم ورفع المناعة وتقليل الأمراض المعوية في الدواجن والمجترات، وهي بديل طبيعي آمن للمضادات الحيوية التي تُحظر عالميًا في الأعلاف.

3. الأعلاف الميكروبية والبروتينات البديلة: تُعد مصر من الدول الواعدة في هذا المجال، إذ بدأت بعض المشروعات في إنتاج البروتين الحيوي من يرقات ذبابة الجندي الأسود (BSFL)، وتحويل المخلفات العضوية إلى مصدر بروتيني مستدام يصلح للأعلاف السمكية والدواجن.

4. المعالجة الحيوية للمخلفات الزراعية: من أهم المجالات التطبيقية التي تتوسع فيها مصر حاليًا، حيث تُحوَّل ملايين الأطنان من قش الأرز، وحطب الذرة، ومخلفات القصب إلى أعلاف مهضومة ذات قيمة اقتصادية عالية، ما يساهم في الحد من التلوث البيئي وتقليل الحرق المكشوف.

5. تطوير النباتات العلفية: تعمل فرق بحثية مصرية على تحسين بعض المحاصيل العلفية مثل الذرة والبرسيم والسورجم لرفع محتواها البروتيني، وجعلها أكثر مقاومة للجفاف والملوحة، وهي خطوة مهمة في مواجهة تغير المناخ.

العوائد الاقتصادية والبيئية :

• خفض تكلفة الأعلاف المستوردة وتوفير العملة الصعبة.

• رفع الكفاءة الإنتاجية للحيوان وزيادة معدل التحويل الغذائي.

• تحقيق استدامة بيئية من خلال تقليل الانبعاثات الغازية والفاقد العضوي.

• تعظيم الاستفادة من المخلفات الزراعية وتحويلها من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي.

• تحسين جودة اللحوم والألبان وخلوها من الملوثات الكيميائية.

معوقات تطبيق التكنولوجيا الحيوية في مصر:

رغم النجاحات العلمية المتزايدة، لا تزال هناك تحديات تتطلب تكامل الجهود، منها:

• نقص الوعي التطبيقي لدى صغار المربين بأهمية الأعلاف الحيوية.

• غياب منظومة تسويق فعالة لمنتجات التكنولوجيا الحيوية في الأسواق المحلية.

• الحاجة إلى دعم حكومي وتشريعي لتشجيع الاستثمار في مصانع البروتين الحيوي والإنزيمات المحلية.

• ضعف التمويل البحثي والتطبيقي في مجال الأعلاف المتقدمة مقارنة بقطاعات أخرى.

تبنى استراتيجية وطنية للأعلاف الحيوية :

1. إنشاء مجلس وطني للأعلاف ينسق بين الجهات البحثية والإنتاجية.

2. توسيع برامج البحث التطبيقي في مجال التكنولوجيا الحيوية الزراعية.

3. تحفيز القطاع الخاص للاستثمار في مصانع إنتاج البروتين الحيوي المحلي.

4. تدريب الكوادر الشابة على التقنيات الحديثة في الأعلاف والتحليل المخبري الحيوي.

5. دعم المربين والمصانع الصغيرة التي تستخدم الأعلاف الحيوية عبر الحوافز التمويلية.

الخلاصة:

إن ما تشهده مصر اليوم من توجه نحو إنتاج الأعلاف الذكية والمستدامة هو بداية لمرحلة جديدة من النهضة الزراعية. فالتكنولوجيا الحيوية لم تعد خيارًا أكاديميًا، بل ضرورة وطنية لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاستيراد وخلق فرص عمل خضراء.

وبقيادة مؤسسات علمية وطنية وجهود المزارعين والمستثمرين، يمكن لمصر أن تتحول إلى نموذج رائد في إنتاج الأعلاف الحيوية في الشرق الأوسط، وتكتب فصلًا جديدًا من ثورتها العلمية في عالم الأعلاف.

اخر اصدار