رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

زراعة الخلايا المعلّقة... مصانع حيوية في أنبوب


  • 13-11-2025 | 15:11

.

طباعة

 

دكتور قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

 

في الحلقات السابقة، رأينا كيف يمكن للخلايا النباتية أن تنمو لتكوّن كالسًا، أو أعضاءً، أو أجنة.

لكن ماذا لو تعاملنا مع الخلايا المفردة كأنها وحدات إنتاج مستقلة؟

 

هنا تأتي تقنية زراعة الخلايا المعلّقة (Cell Suspension Culture)، حيث تتحول ملايين الخلايا الطافية في وسط سائل إلى "مفاعلات حيوية"  قادرة على إنتاج مركبات ثانوية وأدوية طبيعية، فضلًا عن كونها أداة نموذجية في البحث العلمي.

 

ما هي زراعة الخلايا المعلّقة؟

هي تقنية تعتمد على زراعة كتل صغيرة من الكالس في وسط غذائي سائل (بدون مادة مصلبة مثل الأجار)، ثم تعريضها للهز المستمر (Shaking) في قوارير خاصة، مما يؤدي إلى تفكك الخلايا وانفصالها عن بعضها.

النتيجة: معلق خلوي (Cell Suspension Culture) متجانس يحتوي على خلايا مفردة أو مجموعات صغيرة من الخلايا، تبقى حية وتتكاثر في السائل.

مع الوقت، يمكن إعادة استخدام هذه الخلايا في تكوين نباتات جديدة أو في إنتاج مركبات ذات قيمة اقتصادية.

 

الخطوات الأساسية

 

1. إعداد الكالس: يبدأ العمل من كالس ناتج عن زراعة الأنسجة. ويفضل الكالوس الجنيني (Embryogenic Callus).

2. النقل إلى وسط سائل : يوضع الكالس في محلول بيئة  MS أو وسط مشابه بدون مادة التصلب (أجار).

3. التحريك المستمر: باستخدام جهاز هزاز ( Shaker ) للحفاظ على تهوية جيدة ومنع ترسيب الخلايا.

4. المتابعة: بعد أيام قليلة، تبدأ الخلايا في الانفصال والتكاثر، ليظهر المعلق الخلوي.

 

التطبيقات العلمية والتجارية

 

1. إنتاج المركبات الثانوية (Secondary Metabolites):

o إنتاج القلويدات (Alkaloids) مثل الكينين والريزيربين.

o إنتاج مضادات أكسدة وزيوت عطرية.

o أشهر مثال عالمي: إنتاج عقار Taxol المضاد للسرطان من خلايا نبات الطقسوس (Taxus spp.).

وهو جنس من الأشجار والشجيرات الصنوبرية الدائمة الخضرة، يتبع فصيلة الطقسية (Taxaceae).

يُعد من النباتات البطيئة النمو والمعمرة جدًا، إذ قد تعيش بعض أشجاره لآلاف السنين. ويستُخلص من لحاء بعض أنواعه مركب دوائي مهم هو باكليتاكسيل (Paclitaxel) أو( Taxol)، ويستخدم في علاج بعض أنواع السرطان مثل سرطان الثدي والمبيض.

 

2. الهندسة الوراثية:

o الخلايا المفردة أكثر استجابة لعمليات إدخال الجينات.

o تُستخدم بكثرة في برامج التعديل الوراثي باستخدام Agrobacterium tumefaciens.

 

3. التربية على مقاومة الإجهاد والكائنات الممرضة:

o يمكن تعريض المعلقات الخلوية للملوحة أو الجفاف أو سموم الممرضات لاختيار خلايا أكثر تحملًا.

 

4. دراسة فسيولوجيا النبات:

o الخلايا المعلقة توفر نظامًا نموذجيًا لدراسة الانقسام والنمو الخلوي تحت ظروف محكومة.

 

أمثلة تطبيقية في مصر

 

البنجر السكري: تجارب بحثية لاختيار خلايا أكثر تحملًا للملوحة لإنتاج سلالات محسنة.

العرعر والريحان: دراسات لإنتاج الزيوت العطرية عبر المعلقات الخلوية.

القمح: محاولات للحصول على خلايا مقاومة للجفاف باستخدام تقنيات الانتقاء الخلوي.

 

التحديات

 

صعوبة الاستقرار: المعلقات تحتاج متابعة دقيقة وإلا تفقد حيويتها.

الإنتاجية المنخفضة: غالبًا لا تعطي نفس كفاءة النبات الكامل، مما يتطلب تحسين الظروف.

التلوث: أي خطأ في التعقيم يؤدي إلى خسارة المزرعة بالكامل.

 

خاتمة

 

تُمثل زراعة الخلايا المعلّقة قفزة في فهمنا لقدرات الخلية النباتية، فهي تحول أنبوبًا زجاجيًا بسيطًا إلى “مصنع حيوي” ينتج مركبات دوائية أو زيوتًا أو حتى بروتينات نادرة.

إنها خطوة متقدمة تربط بين البحث الأكاديمي والصناعة الدوائية والعطرية والزراعية.

في الحلقة القادمة، سنناقش الإكثار الدقيق (Micropropagation)، وكيف أصبحت زراعة الأنسجة وسيلة تجارية لإنتاج ملايين الشتلات المطابقة وراثيًا والخالية من الممرضات للمحاصيل الاقتصادية.

اخر اصدار