رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

«الزراعة» مشروع الدولة والمجتمع


  • 10-11-2025 | 17:15

.

طباعة
  • بقلم يوسف ورداني

لم تعد الزراعة في مصر مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل أصبحت قضية وطنية شاملة تتقاطع فيها أدوار الدولة والمجتمع والقطاع الأهلي في معركة الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، فمستقبل الريف المصري لا يُرسم فقط في الحقول، بل في شراكات ذكية تُبنى بين الجمعيات الأهلية والتعاونيات الزراعية ومؤسسات الدولة، لإعادة صياغة منظومة الإنتاج بما يتناسب مع متطلبات العصر والتحول البيئي العالمي.

وقد أثبتت مبادرات المجتمع المدني والجمعيات القاعدية في السنوات الأخيرة أن قدرتها على دعم التحول الزراعي المستدام لا تقل عن قدرة المؤسسات الرسمية، فالمشروعات التي نفذتها الهيئة القبطية الإنجيلية من خلال مبادرة “إزرع”، وما قامت به مؤسسة مصر الخير من مشروع تجفيف الطماطم في إسنا بالتعاون مع سيتي فاونديشن، ومشروع تمكين الذي تنفذه مؤسسة صناع الخير للتنمية بالتعاون مع المعهد المصرفي لدمج شرائح المحتمع الريفي في الاقتصاد الوطني تعكس وعيًا متقدمًا بدور المنظمات الأهلية في تعزيز قيمة المنتج المصري وخلق سلاسل توريد أكثر عدالة وكفاءة، وتحقيق تكامل حقيقي بين المعرفة المحلية والخبرة المؤسسية.

ويمتد هذا الدور ليشمل دور الجمعيات القاعدية على المستوى المحلي في تدريب الفلاحين على استخدام التكنولوجيا الزراعية الحديثة، وتأهيلهم لإدارة وحدات البيوجاز المنزلية، والتعامل مع المخلفات الزراعية كمورد اقتصادي جديد عبر إنتاج السماد العضوي والأعلاف الحيوانية، بالإضافة إلى تطبيق تقنيات متقدمة مثل استنبات الحبوب، والزراعة بدون تربة، والزراعة الدقيقة (Precision Farming)، ونظم الري الذكية، وهو ما يعيد تشكيل العلاقة بين البيئة والإنتاج، فالتحول إلى الزراعة الذكية لم يعد رفاهية، بل شرطًا للبقاء في سوق عالمي يُدار بالبيانات والتقنيات الدقيقة.

وفي موازاة هذا الاتجاه، تبرز الشركات الناشئة في مجال الزراعة كأحد أهم روافد التحديث الزراعي، فقد أوجدت موجة ريادة الأعمال الزراعية جيلًا جديدًا من الشباب يوظف التكنولوجيا في مراقبة المحاصيل وتحليل التربة وترشيد استخدام المياه والأسمدة عبر تطبيقات رقمية منخفضة التكلفة، هذه الشركات تمثل مختبرات مفتوحة للابتكار الريفي، وتشكل حلقة وصل حيوية بين المزارع والأسواق، وتسهم في خلق فرص عمل نوعية وتحفيز الاستثمار في الزراعة الذكية.

وفي هذا السياق، برزت التجارب المرتبطة بالنباتات الطبية والعطرية، خاصة في محافظات المنيا والفيوم وبني سويف وأسيوط، كنموذج يمكن البناء عليه، فهذه المحافظات تمثل النسبة الأكبر من إنتاج مصر لهذه المحاصيل، بما يقارب 80% من إجمالي المساحة المنزرعة، وتعد من أهم القطاعات الواعدة في زيادة الصادرات المصرية، ومن هنا تأتي أهمية نقل الخبرات في زراعة هذه المحاصيل إلى محافظات أخرى، بما يعزز التوازن الجغرافي والإنتاجي ويفتح آفاقًا جديدة لاقتصاديات الريف.

ولتحقيق نقلة نوعية في هذا المسار، يمكن توسيع نطاق التعاون بين وزارتي التضامن الاجتماعي والزراعة، بحيث يصبح التنسيق بينهما ركيزة أساسية في دعم الفئات الريفية المنتجة وتمكينها من أدوات العيش الكريم، فوزارة التضامن عبر شبكاتها ومبادراتها للتمكين الاقتصادي تُهيئ البيئة المجتمعية، فيما توفر وزارة الزراعة الدعم الفني والإرشادي، ومع الوقت، يمكن أن تتطور هذه الجهود إلى منظومة مؤسسية متكاملة تُعيد تنظيم النشاط الزراعي في أطر تعاونية حديثة، يقودها الاتحاد التعاوني الزراعي المركزي لضمان الكفاءة والتكامل في الخدمات والتمويل والتسويق.

ويُستحسن أن يُستكمل هذا التوجه بإنشاء شبكة وطنية للزراعة المجتمعية المستدامة تضم ممثلين عن الوزارات المعنية والقطاع الأهلي والقطاع الخاص، وتعمل على تنسيق الجهود وتبادل الخبرات وتحقيق التكامل في التمويل والإرشاد والتسويق، فهذه الشبكة يمكن أن تكون منصة استراتيجية لتسريع التحول الزراعي الذكي وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية.

ويتسق هذا التصور مع رؤية مصر 2030، التي وضعت الأمن الغذائي والاستدامة البيئية في قلب أولوياتها، فنجاح الدولة في مشروعات كـ«حياة كريمة» و«مستقبل مصر الزراعي» خلق بيئة مواتية لتكامل السياسات الحكومية مع المبادرات الأهلية، وفتح المجال أمام شراكات جديدة بين الدولة والقطاع الأهلي والقطاع الخاص لبناء اقتصاد ريفي متنوع ومستدام.

كما يتطلب الأمر تطوير أدوات تمويل مبتكرة للزراعة الأهلية والتعاونية، من خلال صناديق تمويل خضراء وقروض ميسرة للمشروعات الزراعية المستدامة، وربط الجمعيات القاعدية بمبادرات التمويل المناخي الدولية، فالعالم يتجه نحو الاقتصاد الأخضر، ومصر تملك مقومات أن تكون مركزًا إقليميًا للزراعة المستدامة منخفضة الانبعاثات، خصوصًا في ظل ما تمتلكه من أراضٍ جديدة ومشروعات ري ذكية تعتمد على الطاقة الشمسية.

ولا يمكن إغفال الدور المتنامي للشباب والمرأة الريفية في هذا التحول، فالشباب لم يعودوا مجرد عمالة زراعية، بل رواد ابتكار يسهمون في إدارة المياه والتسويق الرقمي وتصميم حلول عملية للتحديات اليومية، أما المرأة الريفية، فهي ليست فقط عنصرًا فاعلًا في منظومة الإنتاج، بل حارس الاستدامة في الريف المصري؛ تحمل على كتفيها مسؤولية تربية الأجيال، وتغرس قيم الحفاظ على الموارد في الوعي الجمعي للأسرة والمجتمع، فتجعل من الزراعة نمط حياة قبل أن تكون مصدر رزق، إن دعمها بالمهارات والمعرفة هو استثمار مباشر في استقرار الأسرة الريفية وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.

الزراعة اليوم ليست مسؤولية وزارة الزراعة وحدها، بل مشروع دولة ومجتمع، يشارك فيه الجميع لبناء مستقبل أخضر عادل ومستدام، يجعل من الريف المصري مركزًا حقيقيًا للنمو والتجدد الوطني، وكما كانت الزراعة عبر التاريخ أساس الحضارة المصرية، يمكن أن تكون اليوم رافعة نهضتها الجديدة، حين تتكامل فيها جهود الدولة والمجتمع والعلم، ويتحول الفلاح المصري من منفذ للتوجيهات إلى شريك في صياغة المستقبل.

بقلم يوسف ورداني مدير مركز تواصل مصر للدراسات – مساعد وزير الشباب والرياضة السابق

اخر اصدار