بقلم دكتور محمد عبد المؤمن استاذ الكيمياء الحيوية بمعهد بحوث الحشرات الطبية:
هل جلست يوما ما تحاول الاستمتاع بقراءة كتابك المفضل وبجانبك كوب من الشاي وبعض الكاجو والشيكولاتة، ثم تحولت هذه الجلسة الهادئة إلى حرب شرسة مع الذباب المزعج، نعم هذه الحشرة الصغيرة الجائعة، سريعة الحركة جدا، هي التي حولت سكينتك الجميلة إلى طنين مستمر ولم تعد تسمع غير ضجيج مزعج من جناحين صغيرين يتحركان بطريقة مستفزة وكأن هذه الحشرة العنيدة تختبر حدود صبرك.
لا شك انك ستفكر كثيرا كيف تقضي على هذا الكائن المتناهي الصغركثير الأزعاج ليس من غرفتك فقط، بل من العالم، أو تتساءل لماذا لا ينقرض هذا المزعج الصغير من الوجود.. ولكن مهلا.. فقبل أن تصدر حكمك عليه، يجب أن تعلم بعض الحقائق المذهلة عن الذباب وفوائدة العظيمة، لربما كان لهذا الصغير فضلا كبير في وجود كوب الشاي والكاجو وقطع الشيكولاته التي تستمتع بهم.
الذباب ودوره الفعال في تلقيح النباتات.
من المحتمل أن أوراق الشاي هذه وحبوب الكاجو والشيكولاته التي كنت على وشك الاستمتاع بهم قد زُرعت ثمارها بفضل الذباب، فعندما تتجول يوما ما في حديقة مزهره ونابضٍة بالحياة تتفتح فيه الأزهار بغزارة، إذا أمعنت النظرقليلا، ستلاحظ أصناف كثيرة من الحشرات، بما في ذلك الذباب، تستطيع هذه الحشرات الصغيرة جمع حبوب اللقاح من بعض النباتات ونقلها بنجاح إلى نباتات أخرى من نفس النوع، وقد تعتقد أن النحل أو ربما الفراشات فقط هي من تنقل حبوب اللقاح، لكن في الواقع الذباب هم الأبطال المجهولون لعملية التلقيح، حيث يقوم الذباب بتلقيح النباتات بكفاءة لا تقل كثيرا عن النحل، لذا يحتل الذباب المرتبة الثانية، بعد النحل مباشرةً، من حيث عدد مرات زيارة الأزهار ونقل حبوب اللقاح منها.
لكن لماذا ينجذب الذباب إلى الأزهار؟
تجذب الأزهار المختلفة الذباب بطرق متنوعة، وتعتمد في هذا على نوع الذباب، عدد كبير من أنواع الذباب تنجذب إلى رحيق الأزهار بسبب محتواه الغني بالسكر، الذي يوفر لهم الطاقة، أيضًا ينجذب الذباب إلى الزهور التي تنتج حبوب اللقاح بسبب غناءها بالمحتوي البروتيني، من ناحية أخري، بعض النباتات تطلق روائح تحاكي رائحة اللحم المتعفن أو التربة أو السماد، مما يجذب إليها الذباب الذي يضع بيضه في الجثث والمواد المتعفنة، بالإضافة إلى ذلك، تميل بعض ألوان الأزهار - غالبًا الأبيض والأصفر والبني والأرجواني الداكن - إلى جذب الذباب إليها.
وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن هناك أكثر من خمسمائة نوعًا من النباتات المزهرة ينجذب الذباب إليها ويلقحها، ففي المناطق الجبلية والقطبية، تعتمد أزهار النباتات بشكل رئيسي على تلقيح الذباب ويرجع ذلك لندرة تواجد الحشرات الأخرى، مثل النحل، حيث إن هنالك أكثر من مائة نوع مهم من النباتات الزراعية يعتمد على تلقيح الذباب لإنتاج الثمار، أمثلة بارزة على هذه النباتات الزراعية تشمل الشاي، الكاجو، الكاكاو، الخردل، المانجو، التفاح، البصل والجزر، فضلا على أن بعض سلالات الذباب يتم تربيتها بشكل تجاري من أجل تلقيح النباتات في البيوت الزجاجية، وعلى المستوى العالمي، هناك تناقص ملحوظ في تعداد الحشرات، وتوجه جزء كبير من الأبحاث العلمية الخاصة بالتنوع والحفاظ على البيئة إلى التركيز على الحشرات التقليدية من الملقحات، مثل النحل، وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة للذباب في عملية التلقيح، فلم يتم الاعتراف به كمنطقة بحثية إلا مؤخرًا، كما ذُكر سابقًا، فالكثير من أنواع الذباب التي تساعد في التلقيح تكون عمومًا قابلة للتكيف والتعايش بأعداد وفيرة، مما يجعلها قادرة أن تلعب دور رئيسي في التلقيح بدلا من الأنواع أخرى، بالإضافة إلى ذلك، في بعض المواقع المحددة يميل الذباب إلى أن يكون له كثافات سكانية عالية، ويعتبر الذباب ملقح حيوي فعال في بيئات الإنتاج الزراعي، حيث تعتمد علىه بعض المحاصيل الزراعية تمامًا في عملية التلقيح.
الذباب ودورة فى النظام البيئي وجودة التربة الزراعية
على الرغم من أن الذباب قد يشكل لك مصدرا للإزعاج، فأنه يلعب دورا هاما فى النظام البيئي فهناك العديد من حيواناتك المفضلة تعتمد عليه كجزء من نظامها الغذائي، مثل الطيور والسحالي والضفادع والتي تعتبر الذباب وجبة لذيذًه لها، لذا فأن انقراض الذباب سيؤدي إلى اختلالات بيئية عظيمة وقد يؤدي إلى انقراض بعض أنواع الحيوانات الهامة، من ناحية أخري يشكل الذباب منظومة كونية عالية الدقة والكفاءة أبدع في صنعها الله عز وجل تعمل على تحلل وإعادة تدوير النفايات الحيوية وتحويلها إلي مواد عضوية صالحة للتربة الزراعية، مما يساهم في الحفاظ على النظافة البيئية من خلال استهلاك المواد العضوية المتحللة والتغذي على جميع أنواع النفايات والحيوانات الميتة، مما يساهم فى استدامة النظام البيئي، ويمد التربة الزراعية باحتياجاتها العضوية فيستطيع الذباب معالجة نفاياتنا المنزلية وتقليل الكمية المرسلة إلى مكبات النفايات، على سبيل المثال، يستطيع ذباب الجندي الأسود أن يتكاثر بشكل مذهل منتجا ما يصل إلى ستمائة يرقة، كل منها تستهلك ما يقرب من نصف جرام من المواد العضوية يوميًا وهو معدل سريع للغاية، يمكن لهذه المجموعة الصغيرة أن تأكل سلة كاملة من النفايات المنزلية في غصون عام واحد.
لذلك قبل أن تلقي اللوم على الذباب في أفساد هدوءك، عليك أن تعلم أنه لولا الذباب، لكنا غارقون بين القمامة والحيوانات الميتة ولم نجد القدر الكافي من غذائنا، فهو يحول الفضلات والجثث إلى غذاء دون أي تكلفة.