أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر.
فى زمنٍ تتسابق فيه الدول لتوظيف التكنولوجيا في الزراعة، تقف البشرية أمام سؤال جوهرى: هل التكنولوجيا الحيوية أداة لتحرير الإنسان من الجوع، أم وسيلة جديدة لإعادة إنتاج التفاوت والهيمنة؟ التكنولوجيا الحيوية الزراعية، وخاصة تقنيات التعديل الوراثي والتحرير الجيني، تُقدَّم كحلول واعدة لتحقيق الأمن الغذائي في عالم يواجه تحديات التغير المناخي، وشح المياه، وتآكل التربة.
ولكن، خلف هذه الوعود البراقة، يبرز وجهٌ آخر للقصة: عدالة التوزيع وحقوق المزارعين واحتكار الغذاء.
ما هي التكنولوجيا الحيوية الزراعية؟
تُشير إلى استخدام أدوات علم الأحياء الجزيئي لتحسين المحاصيل الزراعية، سواء عبر نقل جينات من كائن إلى آخر (التعديل الوراثي)، أو تحرير جينات النبات نفسه (مثل CRISPR) النتائج؟ محاصيل أكثر مقاومة للجفاف، وأعلى إنتاجية، وأقل حاجة للمبيدات. لكن – وهنا بيت القصيد – ليست كل الدول أو المجتمعات مستفيدة بالتساوي.
عدالة غذائية... مشروطة؟
في الوقت الذي تجني فيه شركات التكنولوجيا الزراعية العملاقة أرباحًا هائلة من بيع بذور محسنة ومبيدات متخصصة، يواجه ملايين المزارعين في الجنوب العالمي – من إفريقيا إلى آسيا وأمريكا اللاتينية – تحديات تتعلق بارتفاع أسعار هذه التقنيات، وفقدان السيادة على البذور، وغياب البنية التحتية لتطبيقها.
بل إن بعض الدول أصبحت تعتمد على بذور لا يمكن إعادة زراعتها، مما يُجبر المزارعين على الشراء المتجدد من الشركات المالكة لبراءات الاختراع.
من المستفيد الحقيقي؟
شركات التكنولوجيا: مثل "باير" و"سينجنتا" و"كورتيفا" تسيطر على أكثر من 60% من سوق البذور المعدلة وراثيًا عالميًا.
الدول الصناعية: هي الأكثر قدرة على تطوير واستخدام هذه التقنيات، وتحقيق أعلى العوائد الاقتصادية منها.
مزارعو التصدير الكبار: في البرازيل والأرجنتين مثلًا، حيث تخدم التكنولوجيا الزراعية سلاسل الإمداد العالمية وليس الاحتياجات المحلية بالضرورة.
ومن يُقصى؟
المزارع الصغير: غالبًا ما يجد نفسه عاجزًا عن شراء البذور أو الوصول إلى التدريب والخدمات.
البيئة: بعض الأبحاث تشير إلى أن الزراعة المكثفة بالمحاصيل المعدلة قد تؤدي إلى فقدان التنوع البيولوجي.
الثقافات الزراعية التقليدية: التي تُهمّش أو تُجرَّم لأنها لا تتوافق مع النموذج الصناعي الذي تفرضه التكنولوجيا الجديدة.
ماذا عن الوطن العربي؟
في العالم العربي، لا تزال التكنولوجيا الحيوية في الزراعة في بداياتها، مع تجارب خجولة في مصر والسودان والمغرب، إلا أن التبعية التكنولوجية وغياب السياسات الداعمة لحقوق المزارعين، يجعل الاستفادة محدودة، بل وقد تفتح الباب أمام احتكار خارجي جديد في ساحة الغذاء.
نحو تكنولوجيا عادلة:
لا أحد ينكر أن العلم يحمل إمكانات هائلة، لكن المطلوب هو ضمان أن تُستخدم التكنولوجيا الحيوية لتحقيق العدالة الغذائية، لا أن تُعيد إنتاج الجوع بصيغ "محسّنة جينيًا".
ولكي يحدث ذلك، لا بد من:
1. دعم المزارعين الصغار بالتدريب والدعم المالي.
2. إقرار قوانين لحماية البذور المحلية ومنع الاحتكار.
3. إشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار حول التقنيات المستخدمة.
4. الاستثمار في البحث العلمي المحلي بدلًا من الاستيراد الكامل للحلول.
وفي الختام، إن في عالمٍ تتسارع فيه التغيرات، لم يعد السؤال هو: "هل نستخدم التكنولوجيا الحيوية؟"، بل: "كيف نستخدمها؟ ولمن؟" فالغذاء ليس سلعة فقط، بل حق. والتكنولوجيا ليست خيرًا مطلقًا، بل أداة. وبين الأداة والحق... تقف العدالة كفيصل لا غنى عنه في مستقبل الزراعة والإنسان.