رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

ذرة "عجيب".. حكاية بذور أثارت عاصفة في مصر


  • 3-9-2025 | 14:02

ذرة عجيب .. حكاية بذور أثارت عاصفة في مصر

طباعة
  • د. قاسم زكي

أثارت مقالاتنا السابقة (المنشورة في جريدة الأهرام التعاوني والزراعي) عن صنف "عجيب YG: ذرة مهندسة وراثيًا في الحقول المصرية" مجموعة من التساؤلات العلمية والعملية المهمة التي تعكس جدية النقاش حول مستقبل التكنولوجيا الحيوية الزراعية في مصر.  وأخص بالذكر استفسارات مشروعة وعلمية وعملية حول هذا الموضوع أتتنا من زملاء أفاضل (منهم دكتور جابر أبو جادالله بجامعة دمياط ودكتور خالد فتحي بجامعة مدينة السادات وزملاء أخرون) ومن خلال هذا المقال نحاول أن نستكمل رؤيتنا عن هذا الموضوع الهام في تمصير التكنولوجيا الحيوية الحديثة من اجل تحسين الإنتاج بمصر المحروسة .

الذرة "عجيب".. حكاية بذور أثارت عاصفة في مصر

في أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة، استيقظ الرأي العام المصري على جدلٍ غير مسبوق: بسبب دخول صنف من الذرة المعدلة وراثيًا إلى الحقول المصرية تحت اسم "عجيب “YG. لم تكن الحكاية مجرد تجربة زراعية، بل قضية متشابكة تجمع بين العلم والاقتصاد والسيادة الوطنية، وانتهت بقرار منع زراعته بعد تداوله 4 سنوات وبعد أن تصاعدت المخاوف الشعبية والعلمية.

بذور واعدة أم Trojan Horse؟

حينما طُرحت فكرة إدخال "عجيب" إلى مصر، كان الدافع المعلن هو سد الفجوة الغذائية، خاصة وأن مصر تستورد ملايين الأطنان من الذرة الصفراء سنويًا لاستخدامها في صناعة الأعلاف. هذه الذرة المعدلة حملت جينًا من بكتيريا Bacillus thuringiensis يمنحها مقاومة طبيعية ضد الحشرات، وهو ما يعني توفيرًا في المبيدات وزيادة في الإنتاجية، بحسب ما روّجت له الشركات العالمية.

لكن خلف هذه الصورة الوردية، تساءل خبراء وأصوات في المجتمع المدني:

ـ هل البذور آمنة على صحة الإنسان والحيوان وخاصة مع طول مدة الاستخدام؟

ـ هل سنظل رهائن للشركات الأجنبية التي تحتكر تقاوي الذرة المعدلة؟

ـ ماذا عن أصناف الذرة البلدية التي قد تتلوث جينيًا بفعل التلقيح الخلطي؟

الجدل البرلماني والقرار الحاسم

مع بداية زراعة "عجيب" في بعض الأراضي، انطلقت عاصفة من الاعتراضات نواب في البرلمان استجوبوا وزارة الزراعة عن قانونية إدخال هذه البذور دون شفافية كافية.  منظمات مدنية وعدد من الخبراء أثاروا مخاوف بيئية وصحية حول إدخال المحصول دون نقاش عام كافٍ أو إطار قانوني واضح للكائنات المحورة وراثياً.

ثم ظهرت مناقشات في البرلمان المصري وانتقادات في الصحف حول آلية استيراد البذور وعدم الشفافية في إقرارها. وكانت هناك مطالبات من باحثين وخبراء بضرورة تقييم مستقل ومحلي للسلامة قبل التوسع في الزراعة.

المنع والتوقف

ـ صدر قرار من وزارة الزراعة بوقف زراعة الذرة المعدلة وراثياً ومنها صنف "عجيبفي مصر في 2012.

 أسباب التوقف ارتبطت بغياب قانون متكامل ينظم التعامل مع الكائنات المعدلة وراثياً، والضغوط الشعبية والإعلامية والانتقادات التي رأت أن مصر لا يجب أن تعتمد على تقاوي مستوردة معدلة، والتخوف من انتقال الجين المهندس إلى أصناف الذرة البلدية نتيجة التلقيح الخلطي.

في النهاية، جاء القرار السياسي: وقف استيراد وزراعة الذرة المعدلة وراثيًا. كان المشهد رسالة واضحة بأن السيادة الغذائية خط أحمر، حتى لو كان الثمن خسارة فرصة زراعية واعدة.

القضية لم تكن مجرد خوف من "حبة ذرة"، بل من منظومة هيمنة قد تجعل مصر تدفع ملايين الدولارات سنويًا لشراء بذور لا يمكن إعادة استخدامها.  لقد رأى كثيرون أن وراء البذور "أجندة اقتصادية" تكرّس التبعية، أكثر من كونها مشروعًا علميًا ينهض بالزراعة المصرية.

وهكذا تحولت "عجيب" إلى رمز للجدل حول التكنولوجيا الحيوية: هل هي أداة للتقدم أم مدخل لفرض السيطرة؟

الوضع اليوم

حتى الآن، لا تزال مصر تمنع الزراعة التجارية للمحاصيل المعدلة وراثيًا، لكنها في الوقت ذاته تستورد كميات ضخمة من منتجات غذائية وعلفية تحتوي على مكونات معدلة من الخارج (خصوصًا فول الصويا والذرة من أمريكا والبرازيل). المفارقة أن المستهلك المصري يأكل ويستهلك هذه المنتجات أو الحيوانات والدواجن التي تتغذى عليها يوميًا، دون أن يعرف، لغياب ملصقات تعريفية على السلع.

الدروس المستفادة

ـ لا يمكن رفض التكنولوجيا الحديثة جملة وتفصيلًا، لكن التبني يجب أن يكون مشروطًا بالسيادة الوطنية.

ـ الحل ليس الاستيراد، بل توطين التكنولوجيا وإنتاج البذور محليًا.

ـ المطلوب تشريع واضح وشفافية كاملة، بحيث يعرف المواطن ماذا يزرع ويأكل.

خاتمة

الذرة "عجيب" لم تكن مجرد بذور، بل مرآة عكست التوتر بين العلم والمصالح الاقتصادية والسيادة الوطنية.

واليوم، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع مصر أن تدخل عصر التكنولوجيا الحيوية بقرار مستقل وإنتاج محلي، أم ستظل تستورد غذاءها – ومعه قرارها – من الخارج؟

اخر اصدار