أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر.
.
أثار مقالنا السابق "عجيب YG: ذرة مهندسة وراثيًا وثورة جينية في الحقول المصرية!، " (المنشور فى موقع الأهرام التعاوني والزراعي، يوم الخميس 21 أغسطس 2025م) مجموعة من التساؤلات العلمية والعملية المهمة التي تعكس جدية النقاش حول مستقبل التكنولوجيا الحيوية الزراعية في مصر.
وأخص بالذكر استفسارات مشروعة وقيمة حول هذا الموضوع أتتنا من الزميل الفاضل (دكتور جابر أبو جادالله، أستاذ البيولوجيا الجزيئية بقسم النبات جامعة دمياط) ومن خلال هذا المقال نحاول تقديم إجابة تفصيلية على أبرز هذه التساؤلات، مع وضعها في إطارها العلمي والعملي.
أولًا: علاقة جين Bt بتحمل الجفاف
من الحقائق المؤكدة أن إدخال جين Bt في الذرة الصفراء كان هدفه الرئيس مقاومة الآفات الحشرية، وبالتحديد حفار ساق الذرة ودودة القصب الكبرى. هذا الجين يمنح النبات القدرة على إنتاج بروتين سام لتلك الحشرات، وبالتالي يقلل الاعتماد على المبيدات.
إذن، لا توجد علاقة مباشرة بين إدخال جين Bt وزيادة قدرة النبات على تحمل الجفاف. غير أن بعض المزارعين والباحثين لاحظوا في التجارب الميدانية تحسنًا نسبيًا في الأداء تحت ظروف الجفاف. وهذا يُعزى إلى انخفاض الضغط الناتج عن الآفات، مما يترك للنبات قدرًا أكبر من الطاقة لمواجهة الإجهاد البيئي. لكن من الناحية العلمية، مقاومة الجفاف تتطلب جينات أخرى مثل تلك المرتبطة بتنظيم فتح وغلق الثغور أو تراكم المواد الأسموزية.
وعليه، فإن الحديث عن تحمل الجفاف في حالة "عجيب YG" يجب أن يُفهم على أنه تحمل نسبي غير مباشر وليس صفة أساسية ناتجة عن الجين المدخل.
ثانيًا: انتقال الجين إلى أصناف أخرى
الذرة نبات خلطي التلقيح، مما يعني أن انتقال حبوب اللقاح بين الحقول أمر وارد وبنسب مرتفعة نسبيًا. وقد أثبتت دراسات عالمية أن الجينات المنقولة بالهندسة الوراثية يمكن أن تنتقل إلى أصناف أخرى أو حتى إلى الذرة البلدية إذا لم تُتخذ التدابير اللازمة.
في حالة مصر، يمكن القول إن معدل انتقال الجين يعتمد على:
1. المسافة بين الحقول: فانتقال حبوب اللقاح يمكن أن يمتد لمسافة مئات الأمتار، وأحيانًا إلى عدة كيلومترات مع الرياح.
2. نظام الزراعة: في حال زراعة مساحات متجاورة من أصناف مختلفة، يزداد احتمال التداخل الوراثي.
3. إجراءات العزل: وهو ما يُعرف بـ مناطق العزل (Isolation zones) التي تفرضها معظم الدول كشرط أساسي لزراعة الأصناف المهندسة.
إذن، إمكانية انتقال الجين قائمة، لكنها يمكن أن تُدار عبر برامج رقابية وتشريعية صارمة، بما يضمن الفصل بين الحقول وتقليل معدلات التلوث الوراثي.
وذلك مثلا بعمل إجراءات حقلية (تفصل حبوب اللقاح): عن طريق العزل المكاني (Spatial Isolation) والعزل الزمني (Temporal Isolation) وعمل صفوف ذرة حدودية ماصّة لحبوب اللقاح (Pollen Sink)، والتطويش/نزع الشرّابات (Detasseling)، وحساب اتجاه الرياح والتخطيط المكاني. كما يمكن عمل إجراءات بيولوجية (تقلّل خصوبة حبوب اللقاح الناقلة للجين) مثل حصر التعبير في أنسجة لا تتضمن حبوب اللقاح وغيرها من الطرق الأخرى.
ثالثًا: ظهور حشرات مقاومة لجين Bt
إحدى أهم التحديات التي واجهتها تقنيات Bt عالميًا هي تطور مقاومة لدى الحشرات المستهدفة. فكما أن الإفراط في استخدام المبيدات الكيميائية يؤدي إلى ظهور سلالات مقاومة، فإن الاعتماد المكثف على نباتات Bt قد يدفع الآفات لتطوير آليات مقاومة.
ولمعالجة هذه المشكلة، طُورت عدة استراتيجيات، أبرزها:
1. زراعة مساحات ملجأ (Refugia): أي تخصيص نسبة (5–20%) من الأرض لزراعة أصناف غير مهندسة، لتوفير بيئة تحتفظ بالحشرات الحساسة وتمنع سيطرة السلالات المقاومة.
2. التدوير الوراثي: أي إدخال أكثر من جين مقاوم للآفات في نفس النبات (stacked genes)، بحيث يصعب على الحشرات تطوير مقاومة متعددة في وقت قصير.
3. المراقبة الدورية: عبر شبكات وطنية لرصد مستويات المقاومة واتخاذ التدخلات المناسبة مبكرًا.
بالتالي، نجاح زراعة Bt يعتمد على الإدارة الذكية للتقنية وليس على إطلاقها في الحقول دون ضوابط.
رابعًا: قضية استيراد البذور والتقاوي
من أبرز الانتقادات التي وُجهت لتجربة "عجيب YG" في مصر ارتفاع تكلفة التقاوي، واعتماد الفلاح على الشركة المنتجة كل موسم لشراء بذور جديدة، بسبب حماية حقوق الملكية الفكرية ومنع إعادة استخدام الحبوب. هذه السياسة تجعل المزارع في موقف هش، وتعزز من التبعية الاقتصادية.
الحل يكمن في:
1. توطين التكنولوجيا عبر برامج بحثية محلية لتطوير أصناف مصرية مهندسة وراثيًا، بما يقلل الاعتماد على الشركات متعددة الجنسيات.
2. الشراكات الإقليمية مع مراكز بحثية إفريقية وعربية لتبادل المعرفة والخبرات.
3. إنشاء بنوك جينات وطنية لحماية التنوع الوراثي المحلي وضمان استمرارية الأصناف التقليدية جنبًا إلى جنب مع الأصناف المهندسة.
خامسًا: الإطار التشريعي والواقع المصري
حتى الآن، تفتقر مصر إلى قانون متكامل ينظم زراعة الكائنات المهندسة وراثيًا.
هناك لوائح إرشادية ولجان للأمان الحيوي تراجع الأصناف وتراقب استخدامها، لكن لا يوجد تشريع وطني شامل كما هو معمول به في الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة.
وبحسب ما هو متداول، فإن القانون المصري الحالي لا يسمح بالزراعة التجارية للنباتات المهندسة وراثيًا، رغم السماح بالاستيراد والاستخدام في صناعة الأعلاف، هذا الوضع يعكس الحاجة الماسة إلى إصدار قانون يوازن بين:
- حماية البيئة والتنوع الحيوي.
- تشجيع البحث العلمي والتطوير المحلي.
- ضمان حقوق المستهلك والمزارع على حد سواء.
-
إن الجدل حول "عجيب YG" والذرة المعدلة وراثيًا في مصر ليس مجرد نقاش تقني حول جين أو محصول، بل هو نقاش وطني حول الأمن الغذائي والسيادة العلمية.
فالمسألة تتعلق بما إذا كانت مصر ستظل مستوردة للتقاوي والحبوب باهظة الثمن، أم ستتجه نحو توطين التكنولوجيا الحيوية الزراعية بما يحقق الاكتفاء الذاتي ويقلل من التبعية.
إن الإجابة عن التساؤلات المطروحة تكشف أن التقنية تحمل فرصًا كبيرة وتحديات حقيقية، وأن الطريق الأمثل يبدأ من العلم والبحث المحلي، مرورًا بالتشريعات، وصولًا إلى وعي المزارع والمجتمع. عندها فقط يمكن القول إن زراعة النباتات المهندسة وراثيًا لم تعد تجربة عابرة، بل خيارًا استراتيجيًا لمستقبل الزراعة المصرية.