رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

‎غذاؤك دواؤك‎

تقييم مخاطر المبيدات.. حماية الغذاء والبيئة من المزرعة إلى المائدة

  • 17-8-2025 | 17:33

د.طارق عبدالعليم باحث اول بالمعمل المركزى للمبيدات

طباعة
  • د.طارق عبدالعليم باحث اول بالمعمل المركزى للمبيدات

 

من المزرعة إلى المائدة.. كيف يحدد تقييم المخاطر سلامة المبيدات؟

في عالم الزراعة الحديث، تُعتبر المبيدات الزراعية جزءاً أساسياً من أنظمة الإنتاج، حيث تلعب دوراً حيوياً في حماية المحاصيل من الآفات والأمراض والحشائش الضارة، مما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي ومع ذلك، فإن الاستخدام المفرط أو غير السليم لهذه المواد يمكن أن يؤدي إلى مخاطر جسيمة على صحة الإنسان والبيئة، هنا يبرز مفهوم تقييم المخاطر للمبيدات كأداة علمية ورقابية حيوية لضمان سلامة الغذاء الذي يصل إلى المستهلك، وحماية البيئة من التلوث الكيميائي.

أولاً: ما هو تقييم المخاطر؟

تقييم المخاطر هو عملية علمية منهجية تهدف إلى تقدير احتمال حدوث تأثيرات ضارة على صحة الإنسان أو البيئة نتيجة التعرض لمبيد معين، يتضمن هذا التقييم أربعة محاور أساسية:

 1. تحديد الأخطار (Hazard Identification)

 يتضمن تحديد نوع الأضرار المحتملة للمادة الفعالة، سواء كانت حادة (مثل التسمم الفوري) أو مزمنة (مثل السرطنة أو التأثيرات على الجهاز العصبي)، مثال: تم تصنيف مادة الـ باراكوات Parathion كمبيد عالي السمية وتم حظرها في العديد من الدول بعد تقييم الأخطار.

 2. توصيف الأخطار (Hazard Characterization)

 يتضمن تحديد شدة الأضرار وعلاقتها بالجرعات، وتحديد القيم المرجعية مثل الجرعة اليومية المقبولة (ADI) أو جرعة التأثير غير الملحوظ (NOAEL).

 3. تقييم التعرض (Exposure Assessment)

 يهدف إلى تقدير كمية المبيد التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان أو الكائنات غير المستهدفة، ويشمل التعرض الغذائي (عن طريق الأكل)، المهني (للعاملين في الزراعة)، والبيئي (للكائنات البرية والمائية).

 4. توصيف المخاطر (Risk Characterization)

 يتم دمج بيانات السمية مع بيانات التعرض لتحديد مستوى الخطر الفعلي، إذا كان الخطر يفوق المستويات المقبولة، يتم رفض تسجيل المبيد أو تقييد استخدامه.

  • العوامل المؤثرة في تقييم المخاطر

تتأثر نتائج تقييم المخاطر بعدة عوامل، منها:

  • نوع المبيد وتركيبه الكيميائي: تختلف المخاطر باختلاف التركيب الكيميائي للمبيد.
  • طرق التعرض: مثل التعرض عن طريق الجلد، الاستنشاق، أو الغذاء.
  • الفئات الحساسة: مثل الأطفال، الحوامل، والعاملين في الزراعة، الذين قد يكونون أكثر عرضة للمخاطر.

ثانياً: خطوات تقييم المخاطر من الناحية العملية

 1. الدراسات المخبرية

 تشمل اختبارات السمية الحادة والمزمنة على حيوانات التجارب، واختبارات الطفرات الجينية، والسمية الإنجابية، وتأثيرات الجهاز المناعي، كما تُجرى تجارب على الثدييات والطيور والأسماك والنحل لتحديد مدى تأثير المبيد على الأنظمة البيئية.

 2. الدراسات الحقلية

 تتضمن تجارب على المحاصيل لتحديد الكميات المتبقية من المبيد بعد الرش وفترة ما قبل الحصاد (PHI)، وتقييم حركة وانتقال المبيد في التربة والماء والهواء.

 3. النماذج الحاسوبية

 يتم استخدام برامج محاكاة لحساب تراكم المبيدات في البيئة على المدى الطويل، وتقدير التعرض الغذائي بناءً على أنماط الاستهلاك المحلي.

ثالثاً: المعايير الدولية والهيئات المسؤولة

 1. على المستوى العالمي

تصدر منظمة الأغذية والزراعة (FAO) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) "مدونة السلوك بشأن توزيع واستخدام المبيدات" وتحددان الحدود القصوى لمتبقيات المبيدات (MRLs) من خلال لجنة الدستور الغذائي Codex Alimentarius كما تضع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إرشادات موحدة لاختبارات السمية.

توجد عدة أطر تشريعية دولية تهدف إلى تنظيم استخدام المبيدات، منها:

  • معايير منظمة الصحة العالمية (WHO): التي تقدم إرشادات حول الاستخدام الآمن للمبيدات.
  • لوائح الاتحاد الأوروبي (EFSA): التي تضع معايير صارمة لتقييم المخاطر.
  • لوائح وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA): التي تراقب استخدام المبيدات في الولايات المتحدة.

 2. على المستوى الإقليمي

 يعتمد الاتحاد الأوروبي (EU) على الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA)، والتي تجري تقييمات صارمة قد تؤدي إلى حظر مواد فعالة بالكامل، مثل حظر النيونيكوتينويدات لحماية النحل. في الولايات المتحدة، يتم تسجيل المبيدات عبر وكالة حماية البيئة (EPA) بناءً على قانون FIFRA مع مراجعات دورية.

 3. على المستوى المحلي (مصر)

 تقوم لجنة مبيدات الآفات الزراعية بوزارة الزراعة بمراجعة نتائج التقييم الدولي وتطبيق اختبارات محلية قبل السماح بالتسجيل أو التوزيع، مع اشتراطات تشمل التدريب الإلزامي للمزارعين، والفترات الزمنية بين المعاملات، وطرق التخلص من العبوات.

  • أمثلة تطبيقية ودراسات حالة

تظهر الدراسات التطبيقية أهمية تقييم المخاطر، مثل تقييم مخاطر مبيد كلوربيريفوس، الذي أدى إلى تغييرات في السياسات التنظيمية، كما توجد حالات لمبيدات تمت إزالتها من الأسواق بعد تقييم المخاطر، مما يعكس أهمية هذه العملية.

رابعاً: دور تقييم المخاطر في حماية المستهلك

 1. ضمان مستويات آمنة من المتبقيات في الغذاء

 يتم تحديد الحدود القصوى لمتبقيات المبيدات (MRLs) استناداً إلى بيانات استهلاك الغذاء المحلي، في الاتحاد الأوروبي، أي شحنة غذائية تتجاوز هذه الحدود تُرفض فوراً عبر نظام الإنذار السريع للأغذية والأعلاف (RASFF).

 2. تقليل مخاطر التسمم الحاد والمزمن

 التسمم الحاد قد يحدث عند التعرض لكمية كبيرة خلال وقت قصير، بينما تشمل التأثيرات المزمنة السرطان، واضطرابات الغدد الصماء، ومشاكل الجهاز العصبي.

 3. حماية الفئات الحساسة

 مثل الأطفال والحوامل وكبار السن، الذين قد يكونون أكثر عرضة للتأثيرات السلبية.

خامساً: البعد البيئي لتقييم المخاطر

 1. حماية الملقحات: تقييم تأثير المبيدات على النحل والفراشات والملقحات الأخرى.

 2. الحياة المائية: قياس تأثير المبيدات المتسربة على الأسماك والكائنات المائية الدقيقة.

 3. التربة:  دراسة تأثير المبيدات على الكائنات الحية الدقيقة المفيدة التي تساهم في خصوبة التربة.

 4. التراكم الحيوي: متابعة تراكم المبيدات في السلسلة الغذائية.

سادساً: تحديات تقييم المخاطر في العصر الحديث

  1. التغير المناخي :ارتفاع درجات الحرارة قد يغير من سلوك المبيدات وانتقالها في البيئة.
  2. تعدد مصادر التعرض :قد يتعرض المستهلك لعدة مبيدات من وجبة غذائية واحدة.
  3. المبيدات الجديدة والمعقدة: ظهور مبيدات حيوية أو نانوية يتطلب تطوير منهجيات تقييم جديدة.
  4. غش المبيدات :انتشار المنتجات المغشوشة يضيف مخاطر غير متوقعة، إذ لا تتوفر بيانات علمية عن مكوناتها.
  5. نقص البيانات: مما يؤثر على دقة التقييمات.
  6. التداخل بين المصالح التجارية والصحة العامة: حيث قد تؤثر الضغوط التجارية على القرارات الصحية.
  7. قيود التكنولوجيا في الدول النامية: التي قد تعيق القدرة على إجراء تقييمات دقيقة.

سابعاً: مستقبل تقييم المخاطر

 1. الذكاء الاصطناعي والتحليل الضخم للبيانات: يمكن أن يسهم في التنبؤ بسلوك المبيدات وتأثيراتها قبل إنتاجها تجارياً.

 2. التحليل التكاملي متعدد المخاطر: دمج بيانات المبيدات مع الملوثات الأخرى لتقييم الخطر الكلي.

 3. التوجه نحو المبيدات الصديقة للبيئة: تقييم مبيدات حيوية أو مستخلصة من النباتات بآليات تأثير آمنة.

توصيات وحلول

لتحسين عملية تقييم المخاطر، يمكن اتخاذ عدة خطوات:

  • تعزيز البحوث الميدانية: لفهم أفضل لتأثيرات المبيدات.
  • تبني أنظمة مراقبة وتحليل متقدمة: لضمان سلامة استخدام المبيدات.
  • رفع الوعي لدى المزارعين والمستهلكين: حول المخاطر المرتبطة بالمبيدات.

تقييم المخاطر للمبيدات ليس مجرد رفاهية علمية، بل هو العمود الفقري لضمان أن رحلة الغذاء من المزرعة إلى المائدة تمر بأمان، وأن صحة الإنسان والبيئة محمية من التأثيرات الضارة، ومع تسارع التغيرات البيئية والتقنية، يصبح تحديث منهجيات التقييم ضرورة لا يمكن إغفالها، لضمان تحقيق معادلة الإنتاج الكافي مع السلامة المستدامة.

اخر اصدار