رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

تحقيقات وتقارير

«غضبة المنــــاخ» تضرب القطاع الزراعى

  • 12-8-2025 | 13:39

..

طباعة
  • أحمد السباعى
  • الخبراء يرصدون آليات المواجهة
  • 30% مؤشر التراجع بإنتاجية الحبوب الاستراتيجية 
  • 17 دولة تعاني من الإجهاد المائى عالميا11 منها فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

مع التصاعد الكبير لدرجات الحرارة الذي شعر به الجميع من حقهم أن يتساءلوا: ماذا حدث في أجواء مصر التي كانت تعرف بأنها من أجمل الأجواء صيفا وشتاء؟! والإجابة ملخصة كما جاء على لسان الخبراء: إنه التغير المناخي الذي يضرب العالم بعاصفة من التقلبات تسببت في حالة وفيات بسبب ظاهرة الاحترار كما حدث في أوروبا وغيرها، وحرائق مدمرة للغابات كما في أمريكا أيضا وجيرانها. ويبرز تساؤل آخر: ماذا عن هذا التأثيرالمضطرب على مصر وتحديدا على أمنها الغذائي الذي تستمده من قطاع الزراعة؟ ومن هنا فتحنا الملف لنجيب على لسان الخبراء والباحثين والمتخصصين خلال السطور التالية..

 توجهت «الأهرام التعاوني والزراعي» للدكتور خالد شعبان طرخان الامين العام للمجلس العربي الإفريقي للزراعة والشراكة من أجل التنمية بصفته مشاركا فاعلا بمؤتمر المناخ كوب 27 بسؤال مباشر: كيف لمصر أن تواجه آثار التغير المناخي التي تظهر آثارها فى الزراعة المصرية؟ أجاب قائلًا: لقد أعددنا دراسة رصدنا فيها مختلف التحديات الخطيرة التي تحيط وتؤثر تأثيرا مباشر فى القطاع الزراعي بمصر أوضحنا فيها بعضًا من سياسات التكيف للتغلب على آثار التغيرات المناخية يمكن إجمالها في المحافظة على نظم الكثبان الرملية وتثبيتها بالتشجير أو أسلوب علمى أخر.

كما تعد البحيرات الشمالية (المناطق الرطبة) من أهم نظم التكيف التي يجب المحافظة عليها والعمل على رفع جسور محيطها من كل الاتجاهات بما لا يقل عن مترين عن منسوب سطح المياه بها.

أضاف طرخان، من سبل التغلب على آثار التغيرات المناخية، استعمال الطريق الدولى الساحل بوصفه خطا دفاعيا ثانيا وذلك بإعادة تقييم واجهته الشمالية باتجاه البحر للعمل كحائط بحرى، كذلك تعلية جسور بحيرات إدكو ومريوط بنفس القدر مثل البرلس والمنزلة، فضلا عن المحافظة على حائط محمد على ورصفه ووضعه تحت المراقبة المستمرة.

واستنكر عدم وضع خطط تنموية فى مناطق الشريط الساحلى الواقع بين بحيرة المنزلة والبحر وبحيرة البرلس والبحر، مطالبًا بتنفيذ أعمال الحماية للمنطقة الممتدة بين جمصة ودمياط الجديدة، ناهيك عن بناء القدرات للعاملين بالدراسات والأبحاث الخاصة بوضع سياسات التكيف مع مشكلة تغير المناخ.

أكد الدكتور خالد طرخان أنه أصبح من متطلبات مواجهة أخطار المناخ أن تتبني الدولة وتقود سياسة مواجهه التغير المناخي عبر اتفاقات يلتزم بموجبها العالم كله بتقليص انبعاثات الغازات الدفينة لمواجهة ارتفاع حرارة الأرض بدرجتين مئويتين قياسا إلى الحقبة السابقة للثورة الصناعية؛ حيث إن الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية (الفحم والنفط والغاز) يمثل تحديا كبيرًا في هذا المجال، وأن دول الخليج والدول المنتجة للفحم مثل أستراليا تمتنع عن الخوض في عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة بسبب تعارضها مع مصالحها.

ويقول: إن الأمر لم يعد ترفا، ولم يعد يدخل في دائرة الاختيار افعل أو لا تفعل، بل دخل في نفق المضي بلا اختيار للعودة؛ لأن الوقوف أو العودة يعني الكارثة المحققة؛ حيث تعاني معظم الدول العربية وبعض الدول في شمال إفريقيا من النقص الكبير في المياه وتكرار دورات الجفاف والإجهاد المائي الشديد، فمن بين 17 دولة تعاني الإجهاد المائي في العالم، توجد 11 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ حيث يعيش نحو ثلثي سكان المنطقة في مناطق تفتقر إلى موارد مياه متجددة، والأخطر من هذا هو أن هذه المشكلة تزداد مع الزمن بسبب التغير المناخي الذي تضرب آثاره هذه المناطق أكثر من الدول المسببة للكارثة حتي وصل الأمر إلى التهديد الوجودي الحقيقي لبعض الدول العربيه مثل العراق.

عن المخاوف من أن يتسبب نقص المياه في صراعات بين الدول في المستقبل، قال طرخان: المخاوف أصبحت تتزايد كل يوم من نقص المياه في كل من مصر والعراق والسودان واليمن ومعظم الدول العربية.

و بناء عليه فإن أكبر الخسائر الاقتصادية التي تواجهها المنطقة ستكون بين 6 ، و14 ٪ بحلول عام 2050م وستكون بسبب ندرة المياه المرتبطة بالمناخ، وعليه فإن مخاطر المياه من جفاف وفيضانات وإجهاد مائي سيكون لها تأثير كبير علي بعض الدول.

بالنسبة إلى مصطلح الإجهاد المائي وتأثيراته، أوضح أنه يعني حجم الضغط الذي تتعرض له الموارد المائية ويتم احتساب نسبته من إجمالي المياه العذبة المسحوبة إلى إجمالي موارد المياه العذبة المتجددة وهو ما سوف يؤثر فى استدامة الموارد الطبيعية، ويعوق أيضا أعمال التنمية في دول الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط، ومن بينها دولة المغرب المُعرضة بشكل خاص للجفاف والإجهاد المائي بشكل كبير، في حين تواجه بعض الدول في آسيا وإفريقيا مخاطر الفيضانات بشكل كبير، وهو ما يهدد في النهاية عدم التوازن بين الزيادة في الطلب على المياه وتدهور توافر الإمدادات.

استدرك قائلا: بناء عليه، فإن الإجهاد المائي سيزداد في المناطق المتضررة ويتوسع إلى أخرى جديدة؛ إذ يستمر النمو الاقتصادي والديموجرافي في زيادة الطلب فيما يتسبب تغير المناخ في ضغط إضافي على العرض، ما سيُؤدي إلى تفاقم التوزيع العالمي غير المتكافئ للموارد المائية، وبناءً عليه فإنه يمكن القول بأن دول المغرب، ومصر، والكويت، والسعودية، وتونس، مُعرضة لخطر الجفاف والإجهاد المائي. فيما تواجه دول أخرى مثل بنغلاديش، وسريلانكا، وتايلاند، وفيتنام، وبنين، وموزمبيق، ورواندا، خطر الفيضانات؛ حيث إن درجة تأثر كل دولة ستعتمد على مدى فاعليتها في وضع سياسات التخفيف اللازمة بالقدر الكافي والمطلوب ومدى قدرته على تقليل تأثيرات هذه المخاطر المتزايدة والمرتبطة بالمياه، وبناء عليه فإن مخاطر نقص المياه قد أصبح لها تأثير فى زيادة ضغوط الإنفاق ومواجهة الحكومات لالتزامات طارئة، كما يمكن أن تتسبب في توترات اجتماعية من خلال تأثر الدخل وتهديد الأمن القومي الغذائي لهذه الدول.

كما يُمكن أن تسهم المخاطر المرتبطة بالماء في زيادة الضغط على الموارد المائية المشتركة والمياه الجوفية العابرة للحدود وهو ما قد يُهدد باندلاع صراعات أو أزمات جيوسياسية، الأمر الذي بات يؤكد أن التعاون يظل القاعدة الأساس لحل النزاعات حول قضايا المياه، فمن بين 17 دولة تعاني الإجهاد المائي في العالم، توجد 11 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ حيث يعيش نحو ثلثي سكان المنطقة في مناطق تفتقر إلى موارد مياه متجددة كافية.

التصحر يستمر ويمتد

أوضح الدكتور خالد طرخان أن التصحر يعمل على تغيير المشهد في العديد من الدول، ومن المتوقع أن يؤدي إلى نزوح ملايين الأشخاص لارتفاع المعدل لسحب المياه أو كمية الماء العذب المستخرج من مصادر المياه الجوفية والسطحية، كما سجل الطلب على المياه لري المحاصيل زيادة بأكثر من الضعف خلال نصف القرن الماضي؛ حيث يشكل الري نحو 67 % من المياه المستخدمة كل عام.

أكد أنه وفقا للدراسات العالمية في هذا الشأن فقد تضاعفت متطلبات الصناعة ثلاث مرات لكمية المياه سابقا والاستخدام المنزلي ١٠% من استهلاك المياه المستخدمة، كما تُخصص نسبة صغيرة فقط من المياه المأخوذة من المصادر الهيدرولوجية مباشرة للماشية، وعلى الرغم من أن المياه المستخدمة لري المحاصيل التي تستخدم كأعلاف للماشية تمثل 12 % من استخدام مياه الري في العالم مع زيادة الطلب على المنتجات الحيوانية فإن تغيير وجباتنا الغذائية نحو الحد من تناول اللحوم يمكن أن يساعد على تخفيف بعض الضغط على موارد المياه في العالم.


د.خالد شعبان

حول توقعات بتصاعد الصراع على المياه، قال: إن نطاق التغير المناخي وأنماط النمو على مستوى العالم تزيد من التهديدات المتمثلة بشكل رئيسي في الجفاف والفيضانات؛ حيث يعيش نصف سكان العالم في مناطق تعاني شحًّا في المياه، ويقترح الباحثون والخبراء في تقاريرهم جيلاً جديدًاً من بنى تحتية مستمدة من الطبيعة مثل إعادة التشجير وإعادة بناء المناطق الرطبة وإدارة الفيضانات والجفاف إدارة موثوقة، وذلك من أجل مواجهة التغير المناخي والتقليل من مخاطره على سبل العيش والنظام الطبيعي.

لفت إلى أن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغيّر المناخي، التابعة للأمم المتحدة، حذّرت من أثر التغيّر المناخي فى النظم البيئية وسبل العيش في جميع أنحاء العالم وذلك نتيجة الجفاف أو الفيضانات التي تؤثر بشكل أكبر في المناطق الأكثر فقرا وهشاشة في العالم، ونظرا إلى طبيعتها الجافة وشبه الجافة تأخذ منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيزا واسعا من الاهتمام العالمي كونها تضم 6 % من سكان العالم وأقل من 2 % من المصادر المائية المتجددة من مجموع المياه العذبة فوق الكرة الأرضية.

عن السيناريوهات المقترحة لمواجهة آثار التغيرات المناخية، أفاد طرخان بأن العالم يعتمد فى دراسات المتغيرات المناخية على القياسات الحقلية على مستوى العالم (ارتفاع سطح البحر بمعدل 1.2مم/سعة) والثانى على سيناريوهات مستنتجة من النماذج العددية للمناخ، وأن درجة الحرارة ستزيد من 1.8 الى 4 درجة مئوية؛ حيث تشير السيناريوهات إلى أن منسوب سطح البحر سيزيد بمعدل بين 18 و59 سم حتى عام 2100، وأن تغير المناخ عملية مستمرة على مدى الأزمان وستستمر فى المستقبل، ولكن بمعدل بطىء يمكن التعامل معه، ويمكن التحكم فى آثارها خاصة أن المحددات الطبيعية تجعل تأثيرات تغير المناخ فى سـواحل الدلتا نهر النيل بسـيطة جدا (1-3 %) من مساحة الدلتا خلال مائة عام. اختتم الدكتور خالد طرخان، قائلا: تواجه مصر حاليا مجموعة من التحديات المرتبطة بالمياه أهمها محدودية الموارد المائية؛ حيث تشترك مصر فى مياه النيل مع 10 دول أخرى (السودان – إثيوبيا – إريتريا – تنزانيا – الكونغو – روندا – كينيا – أوغاندا – بوروترى – جنوب السودان)، وهي دولة المصب، وتستهلك الزراعة نحو 85 % من حصة مصر، أما النسبة الباقية فتستهلكها القطاعات الأخرى مثل الصناعة والشرب والملاحة.

تابع: تزداد الخطورة مع تزايد الاحتياجات المائية؛ حيث أسهمت الزيادة السكانية فى زيادة الاحتياجات المائية وتدنى نصيب الفرد من المياه إلى أقل من حد الفقر المائى (الذى يبلغ 1000 م3 للفرد سنويا). فكان نصيب الفرد عام 1959 نحو 1893م3 سنويا تناقص تدريجيا حتى وصل إلى نحو 655م3 سنوياً عام 2012. ومن المتوقع أن تصل هذه الكمية إلى 580م3 سنويا حتى نهاية عام 2025.

أضاف: من أهم أسباب تدهور المياه تلوثها بالقمامة ومخلفات المصانع والصرف الصحى والصناعى وغسيل الأوانى والماشية؛ ما يشكل صعوبة فى عملية استخدام مياه للرى والاحتياجات الأخرى، ومن المتوقع أن تواجه دلتا نهر النيل تأثير التغيرات المناخية التى تتمثل فى ازدياد درجات الحرارة بمعدل 1-2 درجة مئوية وارتفاع منسوب سطح البحيرات من 50سم إلى 1متر، ما يؤثر تأثيرا مباشرا فى الاراضي الزراعية لارتباط ذلك بظاهرة التمليح كأثر مباشر.

 انحسارًا متوقعًا 

ارتفاع درجات الحرارة العالمية هو أحد الآثار المباشرة المترتبة على الزيادة في انبعاثات الكربون؛ إذ تشير البيانات العلمية إلى أن درجة حرارة الأرض قد ارتفعت بمعدل 1.2 درجة مئوية منذ العصر الصناعي. هذا الارتفاع يؤثر بشكل كبير فى أنماط الطقس، ما يؤدي إلى ضعف الأنماط التقليدية للأمطار، وزيادة التكرار والشدة للأحداث المناخية المتطرفة بما في ذلك العواصف، والجفاف، والفيضانات.

وأدت تأثيرات التغير المناخي فى الزراعة إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل ومستوى الجودة الغذائية، بسبب الجفاف وموجات الحر والفيضانات، فضلًا عن زيادة الآفات وأمراض النباتات. وتتفاوت التأثيرات في أرجاء العالم، وقدرت الدراسات الميدانية أن التراجع المتوقع في إنتاج المحاصيل العالمي سوف يبلغ نحو 6 % خلال العقد الزمني. تقدر دراسة أجريت عام 2021 أن شدة تأثيرات موجات الحر والجفاف فى إنتاج المحاصيل، تضاعفت ثلاث مرات على مدى الخمسين عامًا الماضية في أوروبا، من خسائر بلغت 2.2 % خلال الفترة بين عامي 1964-1990 إلى خسائر بلغت 7.3 % بين 1991-2015.

وتنجم التأثيرات المباشرة لتغيرات أنماط الطقس، عن ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر والتغيرات في هطول الأمطار (بما في ذلك الجفاف والفيضانات). تنشأ أيضًا تأثيرات مباشرة من زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي: كزيادة غلات المحاصيل بسبب التسميد بثاني أكسيد الكربون ولكن أيضًا انخفاض القيمة الغذائية للمحاصيل.

ويُتوقّع أن يؤدي المزيد من الاحترار خلال النصف الثاني من القرن الحادى والعشرين، إلى انخفاض غلة المحاصيل في جميع المناطق بما في ذلك كندا وشمال الولايات المتحدة.

وتعدّ العديد من المحاصيل الأساسية شديدة الحساسية للحرارة، وتؤدي ارتفاع درجات الحرارة عن 36 درجة مئوية إلى تلف شتلات فول الصويا وفقدان حبوب لقاح الذرة حيويته.

 ثورة البحار والمحيطات

تشمل الآثار الأخرى غيرالمباشرة للظروف المتغيرة فقدان الأراضي الزراعية بسبب ارتفاع مستوى سطح البحروالمحيطات نتيجة ظاهرة الاحترار وذوبان الجليد، وقد يحدث ازدياد في الأراضي الصالحة للزراعة بسبب تراجع التربة الصقيعية.

كما سيكون هناك نقص في توافر مياه الري بسبب ذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع مستوى سطح المياه المالحة المحيطات والبحار وزحفها على اليابسة، ما يرفع نسبة التعرية وخفض خصوبة التربة، وانخفاض فترات النمو، وسلامة الأغذية وخسائرها التي تسببها الفطريات، وسمومها، أو البكتيريا مثل السالمونيلا، التي تتزايد مع الاحترار العالمي، إضافةً إلى تأثر غلات المحاصيل في المناطق الاستوائية سلبًا بالزيادة المعتدلة المتوقعة في درجة الحرارة (1-2 درجة مئوية) والمتوقع حدوثها خلال النصف الأول من القرن.

اخر اصدار