أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية العلمية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الأثريين المصريين.
في ظل الضغوط غير المسبوقة التي تتعرض لها الزراعة نتيجة التغيرات المناخية، يواجه العالم العربي تحديًا وجوديًا يتعلق بأمنه الغذائى، وعلى رأسه محصول القمح، الذي يشكل حجر الأساس لغذاء مئات الملايين. وبين اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك وتراجع الأراضي الخصبة، برزت تقنيات الهندسة الوراثية كأمل علمي يُمكن أن يغيّر قواعد اللعبة.
لكن بين الآمال العلمية والمخاوف البيئية، يثور سؤال جوهري: هل يمكن لتحسين القمح وراثيًا أن يُحقق الاكتفاء الذاتى في ظل تغير المناخ؟ هذا ما نحاول استكشافه في السطور التالية.
أزمة القمح في العالم العربي تعتمد دول عربية عديدة – مثل مصر والسودان واليمن والعراق – بشكل كبير على استيراد القمح لتوفير الخبز اليومي. وتُشكّل هذه الواردات عبئًا ماليًا ضخمًا، كما تجعل الأمن الغذائي رهينة لتقلبات الأسواق العالمية.
في مصر، أكبر مستورد للقمح عالميًا، لا يُغطى الإنتاج المحلى سوى نحو 40% من الاستهلاك السنوى، ومع تضاعف عدد السكان، وشح الموارد المائية، وارتفاع أسعار الحبوب عالميًا، بات البحث عن حلول علمية وفعّالة أمرًا ملحًا.
ما معنى "تحسين القمح وراثيًا"؟
يشير هذا المفهوم إلى استخدام أدوات الهندسة الوراثية لإنتاج أصناف قمح:
تتحمل الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة، تقاوم الأمراض الفطرية والبكتيرية، تمتاز بجودة غذائية أعلى، تنمو في تربة فقيرة أو مالحة، وتُعد تقنية "كريسبر" (CRISPR) إحدى أبرز الأدوات الحديثة، إذ تتيح تعديلًا دقيقًا في الجينوم النباتي دون إدخال جينات غريبة، ما يعزز قبولها الأخلاقى والعلمى.
مناخ يتغير وزراعة تتأقلم يُفرض التغير المناخى واقعًا قاسيًا على الزراعة: مواسم أقصر، موجات جفاف، تربة أقل خصوبة، وانتشار أمراض جديدة.
في المقابل، أثبتت التجارب في بلدان جافة مثل أستراليا والهند والمكسيك نجاح القمح المعدل وراثيًا فى التكيف مع هذه التحديات، وتحقيق إنتاجية مرتفعة فى ظروف غير مثالية، تجارب عربية واعدة.
أجرت مراكز بحثية فى مصر والسودان والإمارات تجارب واعدة شملت: إدخال جينات مقاومة لمرض "الصدأ الأصفر"، إنتاج سلالات تستهلك مياهًا أقل، تطوير أصناف ذات محتوى بروتيني أعلى.
ورغم هذه النتائج المبشرة، لم تتحول هذه الجهود بعد إلى استراتيجيات تطبيقية واسعة النطاق، نتيجة عقبات تمويلية وتشريعية وتقنية.
تحديات غير علمية رغم التقدم العلمى، تواجه تقنيات التعديل الوراثي عقبات كثيرة: الجدل المجتمعي والأخلاقي: ما زالت المخاوف من الأغذية المعدلة وراثيًا حاضرة، رغم عدم وجود أدلة علمية حاسمة على ضررها.
الاحتكار التجاري: تتحكم شركات كبرى في التقنيات، ما يُثير مخاوف من التبعية، وغياب التشريعات المنظمة: تفتقر معظم الدول العربية إلى قوانين واضحة لضبط إنتاج واختبار وتداول هذه المحاصيل، ضعف الاستثمار في البحث الزراعي: وهي أزمة مزمنة في دول الجنوب.
هل نحقق الاكتفاء الذاتي؟ تحسين القمح وراثيًا ليس حلًا سحريًا منفردًا، لكنه جزء من استراتيجية أكبر تشمل: تبني خطة وطنية لربط البحث العلمى بالزراعة العملية، سن تشريعات توازن بين الأمان الحيوى والتقدم العلمى.
تعزيز ثقة الجمهور من خلال الشفافية ونشر نتائج التجارب، حماية الأصناف المحلية كمصدر وراثى لا غنى عنه، بين المعمل والمائدة في مواجهة أزمة مناخية وغذائية متفاقمة، لم يعد تحسين القمح رفاهية، بل ضرورة وطنية.
الهندسة الوراثية تفتح الباب نحو طفرة زراعية، لكن نجاحها يتطلب بيئة تشريعية مرنة، واستثمارًا مستدامًا، ورؤية شاملة، القمح المعدل وراثيًا قد لا يكون الحل الكامل، لكنه بالتأكيد خطوة ذكية على طريق الأمن الغذائى فى زمن التغير المناخى.