رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

مسار ومستقبل التنمية المستدامة للزراعة في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا


  • 23-7-2025 | 13:40

د. عاطف الصغير

طباعة
  • د. عاطف الصغير

في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم، تُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)  واحدة من أكثر المناطق عرضة لتأثيرات هذه التحولات البيئية، تتميز المنطقة بظروف مناخية قاسية بالفعل، حيث تعاني من شح المياه وارتفاع درجات الحرارة، مما يجعل الزراعة فيها تحديًا كبيرًا  ومع تفاقم آثار التغير المناخي، مثل الجفاف المتكرر وزيادة معدلات التصحر، أصبحت التنمية المستدامة للزراعة في المنطقة قضية ملحة تتطلب حلولًا مبتكرة وسريعة.

تشير البيانات الصادرة عن البنك الدولي إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستشهد انخفاضًا في إنتاجية المحاصيل الزراعية بنسبة تتراوح بين 10% إلى 30% بحلول عام 2050 إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة التغيرات المناخية. بالإضافة إلى ذلك، تُظهر تقارير الأمم المتحدة أن أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في المنطقة معرضة للجفاف، مما يهدد الأمن الغذائي لملايين السكان وفي الوقت نفسه، يعتمد أكثر من 70% من سكان المنطقة على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، مما يجعل التحديات المناخية تهديدًا مباشرًا لسبل عيشهم.

من أجل مواجهة هذه التحديات، بدأت العديد من دول المنطقة في تبني استراتيجيات تهدف إلى تعزيز التنمية المستدامة للزراعة،على سبيل المثال، تعمل المملكة العربية السعودية على تنفيذ رؤية 2030، التي تشمل مشاريع لتحسين كفاءة استخدام المياه وتطوير تقنيات الزراعة الذكية مناخيًا.

كما أطلقت مصر مبادرة "الزراعة الذكية" التي تهدف إلى زيادة إنتاجية المحاصيل مع تقليل استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 20% وفي المغرب، تم تنفيذ مشروع "المخطط الأخضر" الذي يركز على تحسين الإدارة الزراعية ودعم المزارعين الصغار لزيادة قدرتهم على التكيف مع التغيرات المناخية.

على المستوى الإقليمي، تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديات مشتركة في مجال الزراعة بسبب التغيرات المناخية، مما يستدعي تعاونًا إقليميًا لمواجهة هذه التحديات بشكل فعال. تشير تقارير البنك الدولي إلى أن المنطقة تعاني من ندرة المياه بشكل حاد، حيث إنها موطن لـ 6% من سكان العالم ولكنها تحتوي على أقل من 2% من موارد المياه العذبة العالمية.

هذا الوضع يضع ضغطًا هائلًا على القطاع الزراعي، الذي يستهلك ما يقارب 85% من إجمالي المياه المتاحة في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن أكثر من 60% من الأراضي الزراعية في المنطقة معرضة لخطر التصحر، مما يهدد الأمن الغذائي والإقتصادي لملايين الأشخاص.

في هذا السياق، بدأت العديد من الدول في المنطقة بتبني استراتيجيات إقليمية مشتركة لتعزيز الزراعة المستدامة. على سبيل المثال، أطلقت جامعة الدول العربية مبادرة "الاستراتيجية العربية للأمن الغذائي" التي تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية وزيادة الإنتاجية الزراعية من خلال استخدام التقنيات الحديثة، كما تعمل منظمة التعاون الإسلامي على تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في مجال الزراعة الذكية مناخيًا، والتي تركز على تقليل الانبعاثات الكربونية وزيادة كفاءة استخدام المياه.

إحدى المبادرات الإقليمية البارزة هي "المشروع الإقليمي للزراعة المستدامة" الذي تدعمه منظمة الفاو بالتعاون مع الحكومات المحلية.

هذا المشروع يهدف إلى تحسين إدارة الموارد الطبيعية من خلال تطبيق تقنيات الري الحديثة مثل الري بالتنقيط والري الذكي، والتي يمكن أن تقلل من استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 40%. بالإضافة إلى ذلك، يشجع المشروع على استخدام الطاقة المتجددة في الزراعة، مثل الطاقة الشمسية لتشغيل مضخات المياه، مما يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وخفض التكاليف التشغيلية للمزارعين.

على الرغم من هذه الجهود، لا تزال هناك تحديات كبيرة تعيق التقدم على المستوى الإقليمي. من أبرز هذه التحديات نقص التمويل الكافي لتنفيذ المشاريع الكبيرة، حيث تشير تقديرات البنك الأفريقي للتنمية إلى أن المنطقة تحتاج إلى استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار سنويًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في القطاع الزراعي بحلول عام 2030.

بالإضافة إلى ذلك، تعاني بعض الدول من ضعف البنية التحتية وعدم وجود سياسات متكاملة لمواجهة التغيرات المناخية، مما يعيق تنفيذ المشاريع الإقليمية بشكل فعال.

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات كبيرة تواجه تحقيق التنمية المستدامة للزراعة في المنطقة، من أبرز هذه العقبات نقص التمويل اللازم لتنفيذ المشاريع الكبيرة، بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية في بعض المناطق الريفية، كما أن عدم وجود سياسات متكاملة لمواجهة التغيرات المناخية يعيق التقدم في هذا المجال.

في المستقبل، يمكن أن تلعب التكنولوجيا دورًا محوريًا في تحويل الزراعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث توفر حلولًا مبتكرة للتحديات التي تواجه القطاع الزراعي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة يمكن أن تحدث ثورة في إدارة الموارد المائية، والتي تُعد أحد أكبر التحديات في المنطقة.

على سبيل المثال، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات المتعلقة بالطقس ودرجات الحرارة ورطوبة التربة، مما يسمح للمزارعين باتخاذ قرارات أكثر دقة حول مواعيد الري وكميات المياه المطلوبة، هذه الأنظمة يمكن أن تقلل من هدر المياه بنسبة تصل إلى 30%، وهو أمر بالغ الأهمية في منطقة تعاني من شح المياه وتصنف كواحدة من أكثر المناطق جفافًا في العالم.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تساعد البيانات الضخمة في تحسين إدارة المحاصيل من خلال توفير معلومات دقيقة عن حالة التربة ونوعية المحاصيل واحتياجاتها الغذائية. هذا يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإنتاجية الزراعية بنسبة تصل إلى 20%، وفقًا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، كما يمكن أن تسهم هذه التقنيات في تطوير أنظمة إنذار مبكر للكوارث الطبيعية مثل الجفاف والفيضانات، مما يسمح للمزارعين باتخاذ إجراءات وقائية قبل حدوث الكارثة.

من ناحية أخرى، يمكن أن تسهم الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية، في تحويل الزراعة في المنطقة، تشير الدراسات إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديها إمكانات هائلة في مجال الطاقة الشمسية، حيث يمكن أن توفر هذه الطاقة مصدرًا مستدامًا لتشغيل أنظمة الري الحديثة، على سبيل المثال، يمكن أن تساعد الطاقة الشمسية في تشغيل مضخات المياه وأنظمة التبريد، مما يقلل من التكاليف التشغيلية للمزارعين ويحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري وفقًا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، يمكن أن توفر الطاقة الشمسية ما يصل إلى 50% من احتياجات الطاقة في القطاع الزراعي بحلول عام 2030، مما يسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاستدامة البيئية.

علاوة على ذلك، يمكن أن تسهم التكنولوجيا في تطوير أنظمة الزراعة الذكية مناخيًا، والتي تركز على زيادة الإنتاجية مع تقليل التأثير البيئي،على سبيل المثال، يمكن أن تساعد تقنيات الاستشعار عن بعد في مراقبة حالة المحاصيل والتربة بشكل مستمر، مما يسمح بتطبيق الأسمدة والمبيدات بشكل أكثر دقة وفعالية، هذا يمكن أن يقلل من استخدام المواد الكيميائية بنسبة تصل إلى 40%، وفقًا لتقديرات منظمة الفاو، مما يسهم في تحسين جودة التربة والمياه.

ختامًا، يُعد مستقبل الزراعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرهونًا بقدرة الدول على التكيف مع التغيرات المناخية وتبني استراتيجيات طويلة الأمد وتعزيز استخدام الطاقة المتجددة. من خلال الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والطاقة الشمسية، يمكن للمنطقة أن تحقق قفزة نوعية في مجال الزراعة المستدامة، مما يضمن أمنًا غذائيًا مستدامًا ويحد من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية. ومع ذلك، يتطلب ذلك استثمارات كبيرة وتعاونًا إقليميًا ودوليًا لضمان نقل التكنولوجيا والمعرفة وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه المشاريع الطموحة.

اخر اصدار