أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر
.
لم يعد بالإمكان التعامل مع الأمن الغذائي في العالم العربي بمنطق الاكتفاء بالطرق التقليدية. فالمستقبل يفرض تحديات لا تستجيب إلا لأدوات غير تقليدية، والهندسة الوراثية النباتية تُمثّل إحدى هذه الأدوات الفعالة.
يبقى السؤال: هل تملك الدول العربية الإرادة السياسية، والمرونة المجتمعية، والبنية المؤسسية للاستثمار الحقيقي في هذه التكنولوجيا؟ الإجابة قد ترسم ملامح مستقبل الغذاء في المنطقة لعقود قادمة.
الزراعة العربية على مفترق طرق:
مع تسارع وتيرة التغير المناخي وتزايد الكثافة السكانية، تواجه الدول العربية أزمة مركبة في مجال الأمن الغذائي. ومع اعتماد المنطقة بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الزراعية، تتجه الأنظار نحو التكنولوجيا الحيوية، وعلى رأسها الهندسة الوراثية النباتية، بوصفها أداة استراتيجية قد تُحدث نقلة نوعية في واقع الزراعة العربية.
لكن، هل تمتلك الدول العربية البنية العلمية والتشريعية اللازمة للاستفادة من هذه التقنية؟ وما الذي تحقق على الأرض، وما التحديات التي تقف عائقًا أمام التوسع في هذه التكنولوجيا؟ هذا ما نحاول استعراضه في هذا المقال الموسّع.
ما هي الهندسة الوراثية النباتية؟
كما سبق أن أسلفنا وعرفنا الهندسة الوراثية النباتية أنها عملية تعديل الحمض النووي للنباتات بهدف تحسين صفاتها الوراثية، سواء لزيادة الإنتاجية، أو مقاومة الآفات، أو تحمل الظروف البيئية القاسية كالجفاف والملوحة. وتشمل تقنياتها التقليدية مثل نقل الجينات من كائن إلى آخر، أو تقنيات أكثر دقة وحداثة مثل CRISPR-Cas9 التي تسمح بإجراء تعديلات دقيقة داخل الجينوم.
هذه التقنيات أحدثت ثورة في القطاع الزراعي عالميًا، إذ ساعدت في تطوير محاصيل معدلة وراثيًا تقاوم الأمراض، وتتحمل الظروف المناخية القاسية، وتقلل الاعتماد على المبيدات والأسمدة الكيماوية.
خارطة الواقع العربي – جهود محدودة ونتائج متفاوتة:
رغم الأهمية المتزايدة للهندسة الوراثية، إلا أن الدول العربية تتباين في مدى تقدمها في هذا المجال:
مصر تُعد من الدول الرائدة عربيًا، حيث بدأ العمل في التعديل الوراثي للمحاصيل منذ التسعينيات. وقد تم تطوير سلالات محسنة من الذرة والأرز والقمح، بعضها ما زال في مراحل التجريب، نتيجةً لمخاوف قانونية ومجتمعية تتعلق بالكائنات المعدلة وراثيًا (GMOs).
الإمارات العربية المتحدة تستثمر بشكل مكثف في التكنولوجيا الحيوية الزراعية، خاصة في ظل التحديات المناخية، وتعمل على تطوير أصناف نباتية مقاومة للحرارة والجفاف، باستخدام أدوات تحرير الجينات الحديثة.
المغرب وتونس يمتلكان مراكز بحثية متقدمة، لكن التطبيقات لا تزال محدودة على مستوى الحقول، بسبب غياب الإطار التشريعي الحاسم.
السعودية أطلقت عددًا من المشاريع البحثية بالتعاون مع مراكز دولية، مع وجود توجه رسمي لدعم الزراعة المستدامة وتقنيات التحسين الوراثي.
لكن في المقابل، فإن دولًا أخرى مثل اليمن والأردن والجزائر تعاني من ضعف شديد في البنية التحتية البحثية، ما يعيق دخولها في هذا المجال الحيوي.
حقول تجارية للهندسة الوراثية في العالم العربي؟
حتى عام 2025م، لا توجد محاصيل معدلة وراثيًا (GM crops) تم اعتمادها وزراعتها على نطاق تجاري واسع في معظم الدول العربية، باستثناء حالات محدودة جدًا. ورغم وجود تجارب وأبحاث وتجريب ميداني في عدد من الدول، فإن النطاق التجاري لا يزال محدودًا بسبب الحواجز التنظيمية، والمخاوف المجتمعية، وغياب تشريعات واضحة في عدد من الدول. في السودان، تم زراعة القطن المعدل وراثيًا (Bt Cotton): تجاريًا منذ عام 2012م، يحتوي على جين من بكتيريا Bacillus thuringiensis (Bt) لمقاومة دودة اللوز. ساعد في تقليل استخدام المبيدات وزيادة الإنتاج، لكنه واجه تحديات تتعلق بضعف المتابعة التنظيمية والبنية البحثية. والوضع الحالي مستمر، لكنه محدود مقارنة بالدول الكبرى المنتجة.
في مصر تمت زراعة ذرة معدلة وراثيًا (عجيب واي جي) مقاومة للحشرات عبر إدخال جين Bt ، زرعت لمدة 4 مواسم زراعية من عام 2008م الى عام 2012م) تحت إشراف وزارة الزراعة. لكن تم وقف الزراعة لاحقًا (2012م) لأسباب تشريعية وضغط مجتمعي رغم وجود ترخيص سابق. والوضع الحالي، فإن التجارب مستمرة على عدة محاصيل، لكن لا توجد زراعة تجارية قائمة حاليًا.
وهناك دول تمنع رسميًا زراعة أو تداول الكائنات المعدلة وراثيًا، منها الجزائر: حيث هناك حظر قانوني صارم على استيراد أو إنتاج أو بيع الكائنات المعدلة وراثيًا. بينما في لبنان، الأردن، الكويت: توجد لوائح تقييدية، مع غياب الإطار التنظيمي الدقيق، مما يعوق الزراعة التجارية.
المعوقات الرئيسية – علمية، اقتصادية، وتشريعية:
ضعف التمويل البحثي، حيث يعاني قطاع البحث العلمي الزراعي من نقص حاد في التمويل، ما يؤدي إلى تباطؤ تطوير التجارب وتحويل الأبحاث إلى تطبيقات ميدانية. وغياب تشريعات واضحة، فمعظم الدول العربية لا تمتلك قوانين خاصة تنظم التعامل مع الكائنات المعدلة وراثيًا، أو أن هذه القوانين غير مفعلة. وهذا يخلق حالة من الحذر والجمود في تبني هذه التكنولوجيا. زد على ذلك الرفض المجتمعي مدفوع بالمخاوف الصحية والدينية. فرغم أن الهندسة الوراثية لا تعني بالضرورة نقل جينات من كائن إلى آخر، إلا أن غياب الوعي جعل كثيرًا من المجتمعات العربية تعتبر المنتجات المعدلة وراثيًا "محظورة" أو "غير طبيعية". علاوة على ذلك فإن ضعف التعاون الإقليمي حيث تفتقر الدول العربية إلى منصة موحدة لتبادل المعرفة، أو تنسيق السياسات البحثية والتشريعية، ما يؤدي إلى تكرار الجهود وتضارب الأولويات.
الفرص المتاحة والآفاق المستقبلية:
رغم هذه التحديات، فإن آفاق الهندسة الوراثية في العالم العربي واعدة، ويمكن تلخيص أبرز الفرص المستقبلية بما يلي، تعزيز الأمن الغذائي من خلال إنتاج محاصيل تتحمل الجفاف والحرارة والملوحة، وهي ظروف مناخية شائعة في المنطقة.
تقليل الفاقد الزراعي عبر تطوير أصناف مقاومة للآفات والأمراض دون الحاجة إلى استخدام مكثف للمبيدات. خفض فاتورة الاستيراد وتحقيق اكتفاء ذاتي تدريجي من بعض السلع الأساسية. فتح آفاق صناعية جديدة في مجالات البذور المعدلة والتقنيات الحيوية، وتوفير وظائف عالية الكفاءة.
لكن بلوغ هذه الغايات يتطلب: إنشاء مراكز أبحاث إقليمية متخصصة. إصدار تشريعات موحدة وآمنة تنظم التعامل مع الهندسة الوراثية. برامج توعية مجتمعية لشرح الفوائد والمخاطر بشكل موضوعي. تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في هذا المجال من خلال حوافز واضحة.