نسائم الهجرة النبوية الشريفة تصافحنا بعودة الذكري ، تلقح في قلوبنا أنفاسها التي لاتزال بعبقها تنشر نفحتها الفواحة زكي مسك ينثر شذاه علي الروح فيصنع واحة في الإيمان ، نبعها الصافي عطر محبة في جسد دنيا تصحو بها النفس صحوة صلاح النفوس ، امتداد براح واسع لايتقيد بالذكري ومجيئها من نبع فيض الزمن بدورته مع تقلب الليل والنهار ذكري لا تغيب لا في ليل يكر و لا في زمان يمر. ؛ بل الهجرة في الذكري ، والذكرى فى الهجرة مولجات بمعني مشتق من أصل الإيمان ، فالهجرة هي الظل الوارف ليس على اريكة انتظار بل حركة في حياة المسلمين فلا الذكري في المعني الإيماني تغيب ولا الذكري تنتهى بمحدد وقت ففي الهجرة تشريع والشرع يبقى إلي يوم القيامة دنيا ودين ٠
عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلي المدينة يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ،فقد بدأ بذلك تاريخ جديد لمسلمي ذلك الزمن وللسلف القريب منهم وللتابعين وتابعيهم ولنا من بعدهم ولمن بعدنا لهم حتي يوم القيامة، قام بناء مجتمع جديد علي أسس نظام دولة ، وهذه الدولة قامت أو تأسست بعد أن صهر الإيمان مجتمع المسلمين فى مكة ، وصبروا علي كل شر أصابهم وعلي ترصد المشركين بكل مقعد لهم ومرق وموضع استهداف لهم بكل فج ومدخل ومخرج ، بكل حدب ذي منسل ، وترصد وا للمسلمين بكل ملجأ ، تضييق عليهم بأشد حبال الضيق ، قبض وخنق لكل رقاب حريات ممارسة المسلمين أركان الإسلام وقواعد الإيمان ٠
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرب / المدينة وبعد أن استقر مقامه في دار قريبه أبو أيوب الأنصاري وعلي الفور بني مسجدا وأخي بين المهاجرين والأنصار ثم وضع " وثيقة المدينة " التى تنظم العلاقة بين سكان المدينة جميعهم ومن بينهم يهود ونصاري ، ميثاق دولة ببنود ميثاق غليظ ذي عدل بين الجميع ، مراعاة البعد الإجتماعي المعاملاتي ، هي منظومة تعاملات بحسن تعاون بمتميز اعداد ، سعد به الناس ونال من نقشه ورسمه في جوهره في ظاهره وباطنه ،كلية تعاون جامع لمصلحة الإنسان والحيوان والحجارة والأرض والزروع ، مجتمع قام علي نظام يخدم الناس في الصحو والمنام في الحياة والممات .
٠٠ كانت يثرب / المدينة تختلف عن مكة فى النشاط الزراعي ،فمكة غالبية أرضها صحراوية أو شبه صحراوية وأماكن ممكن أن نطلق عليها هذا الوصف الكلاسيكي _ جرداء بلا زرع أو ماء _ ولقد أشار القرآن الكريم إلي ذلك علي لسان أبى الأنبياء إبراهيم علي نبينا وعليه وعليهم جميعا السلام قال تعالي : [ ربنا إنى اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ] لقد نشط أهل مكة فى التجارة ورعي الأغنام فقد اشتغل رسول الله سيدنا محمد بالحرفتين بالنسبة لرعي الغنم قال : ( كنت أرعي الغنم علي قرار يط بمكة ) وعن التجارة فقد اشتغل بالتجارة تعاونا مع السائب بن أبي السائب ثم مع السيدة خديجة بمعاونة غلامها ميسرة إلى أن اذن الله له بالهجرة فهاجر و هاجر المؤمنون قبل ذلك ومنهم بعده نقلة إلي مجتمع جديد إلي أرض مطروقة للبعض ، وغير مطروقة لبعض الناس من قبل ٠
في يثرب التي تمت تسميتها المدينة تجلت أعمال النبي صلي الله عليه وسلم وظهرت جلية ظهورا ملموسا وبما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من نشاط زراعي زاد الإنتاج الذي كان ناقصا فرغم خصب تربة المدينة وشطارة اليهود في العمل الزراعي إلا أن المدينة كانت تستورد الحبوب من بلاد الشام ، كما أن اليهود تراخوا عن مباشرة العمل الزراعي كسلا ترفيهيا أو تكبرا استعلائيا ، ولما حدثت الهجرة قام المهاجرون بنشاط زراعي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بتوجيها ته بإشراف منه حينا مباشرة بل ضرب بنفسه لهم فاول مازرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة هو غرس ٣٠٠ نخلة في المدينة ، قدم بذلك نوعا من العمل التجريبي الحي وفق إرشاد نبوي زراعي ، بل وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم معاملات للفلاحة لم يعهدها أحد من قبل وجعل لري الأرض منظومة منعت النزاع بين الفلاحين رضي بها المزارعون وارتضوا بذلك أنفسهم والناس ، وبعد نقض اليهود العهد ومخالفتهم لوثيقة المدينة تم اجلاؤهم عن المدينة ، تتابع طرد بعد تكرار خيانات منهم فوزع أراضيهم علي المهاجرين والانصار ليس بنظام الاقطاعيات أو الأبعديات اوالجفالك ؛ بل التساوي بالعدل لم تظهر طبقة تطغي علي طبقة ولا فئة تستعبد أخري ولا جماعة أو عصابة تغتصب أو تسرق أو تستولي ، بل الكل فى حق الحياة بنظام سواء ٠
ومن ذلك بالنسبة لتوزيع الأراضي لزراعتها فكانت قطع الأراضي الصالحة للزراعة فى المدينة مثل وادي ليه ووج شرق الطائف و وادي القري رانونا ووادي مهزوز ، والأراضي التي كانت ليهود بني النضير الذين خانوا ميثاق المدينة ونكثوا وعدهم فكانت الأراضي الزراعية التي كانت بحوذتهم فنكثوا علي أنفسهم مثل تلك الأراضي بوادي بطحان ووادي العقيق وغيرها ،ثم كانت فيما بعد للمهاجرين والانصار ، لغرض الزراعة ولايجوز استعمالها فى غير الزراعة ،لقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر والنهي ، لذا استكفت المدينة اكتفاء ذاتيا كف مد يدها عن استيراد محاصيل زراعية خارجية ٠
٠٠ولتعظيم التوسع الزراعي بما يمكن أن يتناص مع الزراعة المستدامة حاليا ، اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ذوي خبرة ودربة ومران فى النشاط الزراعي فسمح للفلاحين الأحباش الذين اعتنقوا الإسلام بالعمل الزراعي جنبا إلي جنب مع اخوانهم الفلاحين زيادة خبرة بتنوع عقول بفؤوس وآلات زراعية فاعلة التعامل مع الأرض والحرث ٠
٠٠ كانت المشاكل فى عملية الري تشتجر بين المزارعين ، أيهم يسقي أول ، أيهم من له الحق الأقرب عن غيره ، فعالج النبي ذلك بما يطلق عليه _سيستم الري المنظم _ فمثلا حدثت مناوشات بين فلاحين مناوشات بالكلام ، وتناوش وتقارش اقترب أو كاد أن تستل السيوف من غمدها والقوس تخرج من منزعها والعصي والشوم من خلف أبواب البيوت أوتلك التي مكدسة بالحقول ، فبعض المزارعين فى وادي مهزوز وقعوا في إشكالية مناوبات الري فتدخل الرسول صلى الله عليه وسلم فهدأ الروع وطمأن الناس ونظم الري بآلات منها الفأس فشرع لهم الرسول عملية حبس الماء في الأرض الي الكعبين ثم يرسل إلي الأخري بحيث لا يمنع الأعلي الأسفل وقال فى حل منازعة ( ان لأهل النخل إلى العقبين، ولأهل الزرع إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلي من هو أسفل ) ٠
٠٠ ومن خلال توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم نشأ نظام " المزارعة " فجعلت الشركة في الزراعة بين الناس بشرط الشركة في المكسب والخسارة فحدثت شراكة بنظام المزارعة بين صحابة مثل التى كانت بين علي بن أبي طالب وسعد بن مالك وآل أبي بكر وآل عمر وغيرهم واقتبس فيما بعد عمر من هذا النظام نموذجا تعامل به له وللناس وورد عنه قوله : ( ان جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر ، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا ) ٠
٠٠وتوسع رسول الله صلى الله عليه وسلم في استصلاح الأراضي بالمدينة فمن تعاليمه قوله : ( من أحيا أرضا ميتة ثقة بالله واحتسابا كان حقا علي الله تعالي أن يعينه ويبارك له ) أيضا لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنقص الأرض الزراعية بالإهمال أو البناء عليها أو تجريفها أو ضياعها بأغراض غير الزراعة فقال : ( من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ،فإن أبي فليمسك أرضه ) وقال صلي الله عليه وسلم : ( ملعون من غير تخوم الأرض ) وقال النبي صلي الله عليه وسلم : ( لعن الله من غير منار الأرض ) والمنار الحدود.
٠٠ ولدور الزراعة في نمو المجتمع بقيم غذائية فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يبارك ويزيد فى الأراضي الزراعية وانتاجها فقد ورد قوله عليه السلام : ( اللهم بارك لنا في مدينتنا ،وبارك لنا صاعنا وبارك لنا في مدنا ، اللهم ان إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ، وإني عبدك ونبيك وأنه دعاك لمكة وأني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه )
٠٠وعلي المنوال نفسه صار الصحابة فهاهو عثمان بن عفان يمتنع عن استخدام الأرض في نشاط غير زراعي بعد أن نصحه بعضهم بترك الأرض التى كانت ملكه فقد هرم قال لهم : ( لأن توافني الساعة وأنا من المصلحين ،خير لي من أن توافني وأنا من المفسدين ) ونجد الصورة عند علي بن أبي طالب أكثر وضوحا ورؤية إذ تبلور ذلك فيما ورد عنه قوليا وفعليا قال : ( ليكن نظركم فى عمارة الأرض أبلغ من نظركم فى استجلاب الخراج ، والزراعة عمارة )
شاهد على بن أبي طالب فلاحا يستصلح أرضا خرابا فقال له علي : ( كل هنيئا وأنت مصلح غير مفسد ، معمر غير مخرب ) ونجد الخليفة الراشد السادس عمر بن عبدالعزيز علي النهج النبوي في مجال الزراعة يسير ويتبع ، وجاء في أدبياته وهو يوجه موظفا في الدولة أمره أن يخفف ضغط الحاجة المرهقة للفلاحين وهو بهذا الموقف يعد أول من وضع نظام التسليف قبل قيام بنك التسليف كيف ذلك ؟ نراه واقعا بالدليل إذيقول ابن عبد العزيز : ( انظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوي به على عمل أرضه، فإنا لا نحتاجهم لعام أو لعامين )
٠٠ وفي المدينة بعد هجرته مباشرة نري رسول الله صلى الله عليه وسلم يشجع المزارعين ونراه قد ربط بين الدنيا والدين في النشاط الزراعي ، من بين ذلك أنه شجع الصحابي طلحة بن عبد الله علي الزراعة فكان طلحة أول من زرع القمح بالمدينة بعد الهجرة فجعل المدينة تستغني عن استيراد القمح من الخارج وكان نشاط المدينة قبل الهجرة مختصرا في النخيل وصناعاته في لوازم التجارة وكذا زرع الليمون وصناعة تجفيفه وزراعة العنب وعصيره واستخراج الزبيب منه ٠
٠٠ ولقد استنبط خبراء الزراعة معني مهما من حديث تأبير النخل وذلك لما جاء في هذا الحديث بإحدى الروايات " عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل يقولون يلقحون النخل فقال : ( ماتصنعون ؟ ) قالو ا : كنا نصنعه فقال : ( لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا ) فتركوه فنفضت أو فنقصت فقال : ذكروا ذلك له فقال : ( إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي ،فإنما أنآ بشر ) ٠
٠٠ ذكر الخبراء أن هذا الحديث " بداية لعلم المنهجيات والخطأ التعليمي فالحديث منهجية علمية معتمدة كثيرا في التجارب الزراعية وعلم الإحصاء الحيوي فقسم شاهد وقسم معالج للوصول إلي نتيجة علمية بالمنهح التجريبي واعتماد البحث العلمي لتطوير النظام الزراعي "
٠٠ رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الأتصاري سعد بن معاذ ويده عليها أثر الطين فقال له صلي الله عليه وسلم : ( ما أري بيدك ؟ ) فقال : أثر المسحاة " آلة زراعية " اضرب وانفق علي عيالي فقال صلى الله عليه وسلم : ( هذه يد لاتمسها النار )
كان الصحابي ظهير بن رافع من أنشط المزارعين بالمدينة بل كان اكبرهم زرعا يعني يستحق كأس الإنتاج الزراعي بجدارة لو كان فى عصرنا ، فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم شهادة تقدير بل أعلى واغلي و اثمن قيمة وقامة إذ قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحسن زرع ظهير )
٠٠ كما ربط الرسول صلى الله عليه وسلم الدين بالدنيا في مسألة الزراعة ، من ذلك مثلا قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو بهيمة ،إلا كان له به صدقة ) وفى لفتة مهمة قال صلي الله عليه وسلم : ( من أمسك كلبا فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط ،إلا كلب حرث أوماشية ) وقال : ( من اقتني كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص كل يوم من عمله قيراط ) أيضا ظهور نوع من الزكاة مرتبط بما تنبته وتخرجه الأرض هذا النظام للدنيا والدين وهو نظام " زكاة الزروع " مصداقا لقوله تعالي [ وآتوا حقه يوم حصاده ]٠
٠٠ وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيمة فى الزرع مثلا تشابهيا بالمؤمن قال صلى الله عليه وسلم ( مثل المؤمن مثل الزرع لاتزا ل الريح تميله ،ولا يزال المؤمن يصيبه بلاء) ٠
٠٠ وحول قول الله تعالي : [ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ] الآية ١٢٢ سورة الأعراف ، قال بعض المفسرين تفسيرا لتلك الآية : " عنصرا الماء والنور للقيام بعملية التركيب الضوئي الوسيلة الوحيدة لنمو النبات واثماره ، وحياة قلب الإنسان ماء الإيمان ونور العلم ، زرعه عمله الصالح يثمر التقوي والورع والخوف والصبر والشكر وبذا يحيا المؤمن بين الناس ، وقلب الكافر كصحراء جرداء بلا زرع وماء "
٠٠اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل وقت وحين صاحب الهجرة الشريفة التى وضعت أنظمة للدنيا والدين ،والزرع من أولويات العمل النبوي بعد الهجرة
٠٠ واخيرا نترنم بأبيات أحمد شوقى أمير الشعراء ١٨٦٨ / ١٩٣٢ الذي يقول :
سل عصبة الشرك حول الغار سائمة
لولا مطاردة المختار لم تسم
هل ابصروا الأثر الوضاء أم سمعوا
همس التسابيح والقرآن من أمم
وهل تمثل نسج العنكبوت لهم
كالغاب والحائمات والزغب كالرخم
فأجبروه ووجوه الأرض تلعنهم
كباطل من جلال الحق منهزم
لولا يد الله بالجارين لم يضم
وعينه حول ركن الدين لم يقم
تواريا بجناح الله واستترا ومن
يضم جناح الله لم يضم
يا أحمد الخير لي جاه بتسميتي
وكيف لايتسامي بالرسول سمى