أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر.
تمثل الهندسة الوراثية النباتية فرصة حقيقية للقارة الإفريقية كي تتجاوز عقودًا من التبعية الزراعية والفقر الغذائي، لكنها ليست حلًا سحريًا ولا بديلًا عن إصلاح شامل للقطاع الزراعي. فبينما تتقدم دول مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا في هذا المجال، لا تزال دول أخرى عالقة بين الخوف من المجهول، والاعتماد المفرط على الخارج، والانقسام الداخلي حول التقنية. السؤال الذي يظل مطروحًا: هل تستطيع إفريقيا أن تتبنّى هذه التكنولوجيا بشروطها، لا بشروط الآخرين؟ هنا لنا جولة في ربوع القارة السمراء وتطبيقات الهندسة الوراثية.
ففي ظل ما تعانيه أفريقيا من أزمات غذائية متكررة وتحديات بيئية متزايدة، تبرز الهندسة الوراثية النباتية كأحد الحلول العلمية القادرة على تحويل مسار الزراعة الإفريقية. فالقارة، التي تمتلك قرابة 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، لا تزال غير قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، وتواجه تحديات كبيرة من قبيل الجفاف، والآفات، وتراجع خصوبة التربة، وتغير المناخ.
لكن، رغم هذه الضرورات، فإن تطبيقات الهندسة الوراثية النباتية في إفريقيا تسير بخطى بطيئة، وسط انقسام حاد بين مؤيدين يرون فيها ضرورة استراتيجية، ورافضين يتحفظون لأسباب أخلاقية واقتصادية وسيادية.
الهندسة الوراثية النباتية – التعريف والسياق:
الهندسة الوراثية النباتية هي علم تعديل الحمض النووي للنباتات بهدف إكسابها صفات مرغوبة، مثل مقاومة الآفات، أو تحمّل الظروف البيئية الصعبة، أو زيادة الإنتاجية وجودة الثمار. وهي تختلف عن التربية التقليدية في دقتها وسرعتها، كما تتيح إمكانيات نقل جينات من كائنات أخرى إلى النبات.
في إفريقيا، بدأت هذه التقنية تُطرح منذ تسعينيات القرن العشرين، خاصة بعد توسع استخدام محاصيل معدلة وراثيًا في دول مثل الولايات المتحدة والبرازيل والهند. لكن القارة اتخذت موقفًا مترددًا، ما جعل انتشار التكنولوجيا متفاوتًا من دولة إلى أخرى.
تجارب إفريقية رائدة:
رغم الحذر، نجحت بعض الدول الإفريقية في إطلاق برامج زراعية قائمة على الهندسة الوراثية. ومن أبرز هذه الدول: جنوب إفريقيا، فهي أول دولة إفريقية تعتمد زراعة محاصيل معدلة وراثيًا تجاريًا (منذ 1997م). وقد زرعت محاصيل الذرة، وفول الصويا، والقطن المعدّلة لمقاومة الحشرات ومبيدات الأعشاب، وهي تمتلك نظامًا تشريعيًا متكاملًا، وبنية تحتية بحثية قوية، ما يجعلها الدولة الأكثر تقدمًا في هذا المجال على مستوى القارة. والسودان زرعت القطن المعدّل وراثيًا (Bt Cotton) تجاريًا منذ 2012م مما أدى الى زيادة في المحصول، وانخفاض في استخدام المبيدات لكن تواجه ضعف الرقابة، وتأثر بعض المحاصيل المحلية. ومن غرب أفريقيا تأتي نيجيريا التي اعتمدت زراعة القطن المعدّل وراثيًا عام 2019م، تلاه الذرة المعدلة في 2021م. وأدى ذلك لتحسين الإنتاجية، وتقليل الخسائر الناتجة عن الحشرات. فيما يستمر العمل حاليا على الأرز والكسافا المعدّلين وراثيًا.
ومن شرق أفريقيا تبرز كينيا والتي وافقت حكومتها على زراعة القطن المعدّل وراثيًا عام 2020م، وبعدها الذرة في 2022م. لكن هناك اعتراضات من المجتمع المدني ومخاوف من سيطرة الشركات الأجنبية على سوق البذور.
دروس من تجربة القطن المعدل وراثي في بوركينا فاسو:
بوركينا فاسو تُعدّ من أبرز الأمثلة في إفريقيا على التفاعل بين الزراعة المحلية والتقنيات الحيوية الحديثة، خاصة فيما يتعلق بزراعة القطن المعدل وراثياً. القطن هو أهم محصول نقدي في بوركينا فاسو، ويُعتبر المصدر الأول للعملات الأجنبية في البلاد. كانت بوركينا تُنتج قطنًا عالي الجودة يُعرف بـ "القطن الأبيض"، والذي يُقدّر في الأسواق العالمية. في منتصف العقد الأول من الألفية (2008م) أدخلت بوركينا فاسو القطن المعدل وراثياً (Bt cotton)، بالتعاون مع شركة مونسانتو. القطن Bt يحتوي على جين مأخوذ من بكتيريا Bacillus thuringiensis، يجعل النبات يُنتج مادة سامة للحشرات (وخاصة دودة اللوز الأمريكية) دون الحاجة إلى مبيدات كيميائية كثيرة.
ساهم هذا النوع من القطن في زيادة الإنتاجية: حيث حدث تراجع كبير في نسبة فقدان المحصول بسبب الحشرات. مع خفض التكاليف بسبب تقليل استخدام المبيدات الكيميائية. وارتفاع الدخل، شهد المزارعون في البداية ارتفاعًا في الدخل، لكن المشكلات ظهرت لاحقاً، فرغم الفوائد الاقتصادية، ظهرت مشكلات غير متوقعة، أخطرها تدهور جودة الألياف، فالقطن المعدل وراثياً كان أقصر وأقل نعومة من القطن التقليدي، ومصانع النسيج الدولية اشتكت من رداءة جودة الألياف وهذا أثّر سلبًا على أسعار القطن البوركيني في الأسواق العالمية. ومن عيوب ذلك أيضا الاعتماد على الشركات الأجنبية، فقد اعتمد المزارعون على شراء البذور المعدلة من مونسانتو سنويًا والبذور كانت أغلى، مما حدّ من استقلالية المزارعين. كما انتابت المجتمع الخوف من التأثيرات البيئية: فرغم عدم وجود إثباتات قوية، كانت هناك مخاوف من فقدان التنوع الحيوي المحلي.
في عام 2016م، قررت حكومة بوركينا فاسو التوقف التدريجي عن زراعة القطن المعدل وراثياً والعودة إلى القطن التقليدي بسبب الشكاوى من تدني جودة الألياف وتراجع تنافسية القطن البوركيني. وضغوط من المزارعين والمُصنّعين المحليين.
ومن الدروس المستفادة أن التقنية وحدها لا تكفي؛ فالجودة والسياق المحلي مهمان والزراعة المعدلة وراثياً قد تؤدي إلى فوائد اقتصادية، لكن قد يكون لها تكاليف خفية يجب تقييمها. ومن الضروري وجود حوكمة وطنية قوية لمراقبة آثار التكنولوجيا الحيوية.
الدول المترددة أو الرافضة:
على الطرف الآخر، لا تزال دول عديدة في القارة تتخذ مواقف متحفظة من الهندسة الوراثية، لأسباب مختلفة. فأثيوبيا، وتنزانيا، وزامبيا، وأوغندا تسمح بالتجارب البحثية فقط، دون زراعة تجارية. بينما الجزائر، ومدغشقر، وزيمبابوي تحظر رسميًا زراعة أو استيراد الكائنات المعدلة وراثيًا، بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة البيئية والسيادة الغذائية. في حين أن المغرب وتونس ومصر لديهم بنى بحثية جيدة، لكنها لا تزال في مرحلة الاختبار والتقييم التشريعي.
العوامل المؤثرة في تقدم أو تراجع الهندسة الوراثية في إفريقيا:
العوامل الدافعة تتمثل في تحديات الأمن الغذائي المزمنة. وزيادة الأمراض النباتية والآفات القاتلة (مثل دودة الحشد الخريفية) - وتغير المناخ والتصحر وانخفاض الأمطار -والرغبة في تقليل الاعتماد على الاستيراد.
بينما العوامل المثبّطة تتمثل في غياب أطر تشريعية موحدة أو مرنة -ومخاوف المجتمعات من المخاطر الصحية أو الدينية- والاعتماد على شركات أجنبية للحصول على البذور، وما يثير مخاوف تتعلق بالسيادة الوطنية-وضعف الاستثمار في البحث العلمي الزراعي.
دور المنظمات الدولية والشراكات البحثية:
تتعاون العديد من الدول الإفريقية مع مؤسسات دولية مثل المنتدى الإفريقي للتكنولوجيا الحيوية الزراعية (ABSF).- المعهد الدولي للزراعة المدارية (IITA) - مؤسسة بيل وميليندا جيتس - وكالات الأمم المتحدة مثل FAO وUNEP.
وقد ساعدت هذه الشراكات في تطوير محاصيل مثل كسافا مقاومة للفيروسات وأرز ذهبي غني بفيتامين A- بطاطا حلوة محسّنة لتحمل الجفاف، لكن الانتقادات لا تزال قائمة بشأن تبعية البحث العلمي للممولين الأجانب، ما يثير جدلًا سياسيًا وأخلاقيًا في بعض البلدان.
آفاق المستقبل – نحو زراعة ذكية ومستدامة؟
يرى كثير من الباحثين أن القارة الإفريقية لا تملك رفاهية تأجيل تبني أدوات الزراعة الحديثة، خاصة أن الهندسة الوراثية قد تكون الأمل الوحيد لتأمين الغذاء وتحسين حياة الملايين من المزارعين.
ولكي تنجح القارة في هذا المسار، تحتاج إلى: وضع سياسات وطنية تنظم استخدام التكنولوجيا الحيوية بشكل مسؤول وآمن. واستثمار حكومي أكبر في البحث والتعليم الزراعي. وإشراك المجتمعات المحلية في النقاش العلمي والأخلاقي، وبناء قدرات محلية في إنتاج البذور وتطوير المحاصيل.