أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر.
شهدت العقود الأخيرة تطورًا متسارعًا في مجال الهندسة الوراثية، انعكس بوضوح على القطاع الزراعي والغذائي، لا سيما مع ظهور الأغذية المعدلة وراثيًا، التي أضحت محورًا لجدل عالمي واسع، بين من يراها خطوة نحو تحقيق الأمن الغذائى ومواجهة التغير المناخى، ومن يتخوف من آثارها الصحية والبيئية، هنا تبرز الحاجة إلى تقييم علمى وموضوعى لهذه التقنية الحديثة.
ماهية الأغذية المعدلة وراثيًا:
هي أطعمة مشتقة من كائنات حية عُدّلت مادتها الوراثية (DNA) باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية (GMO). وقد طُورت هذه الكائنات لتوفير سمات مرغوبة مثل مقاومة الآفات، وتحسين تحمل مبيدات الأعشاب، وزيادة القيمة الغذائية، أو تحسين مدة الصلاحية.
وتشمل هذه الأغذية محاصيل أساسية مثل الذرة، وفول الصويا، والقطن، والطماطم، وغيرها. فالذرة غالبًا ما تعدل لمقاومة الآفات الحشرية أو تحمل مبيدات الأعشاب.
وفول الصويا يعدل في الغالب لتحمل مبيدات الأعشاب؛ أما القطن يعدل وراثيا لمقاومة الحشرات ويستخدم زيت بذرة القطن في العديد من المنتجات الغذائية. ويهندس نبات لفت الزيت "الكانولا" (Canola) لتحمل مبيدات الحشائش وزيته يستخدم على نطاق واسع في الطهي، بينما يعدل بنجر السكر لمقاومة مبيدات الأعشاب، ويستخدم البنجر لإنتاج السكر.
مبررات القبول والدعم:
تشير الدراسات التي تمت إلى مجموعة من الدوافع التي تُبرر استخدام الأغذية المعدلة وراثيًا، أبرزها تحقيق الأمن الغذائي العالمي والحفاظ على سلامة البيئة من خلال زيادة الإنتاج وتقليل استخدام المبيدات الزراعية الضارة مع تحسين القيمة الغذائية لبعض الأغذية وإمكانية الزراعة في بيئات قاسية نتيجة لتعديل خصائص النبات.
أسباب الرفض والتحفظ:
رغم الفوائد المحتملة، توجد عدة مبررات لرفض أو التحفظ على هذه التقنية، من أهمها مخاوف صحية، فهناك قلق مستمر بشأن الآثار الصحية طويلة المدى المحتملة لاستهلاك الأغذية المعدلة وراثيًا. ومخاطر بيئية تتعلق بأن المحاصيل المعدلة وراثيًا يمكن أن يكون لها آثار سلبية على النظم البيئية، مثل التأثير على الكائنات غير المستهدفة أو زيادة مقاومة الحشرات لمبيدات الآفات. أو تغول الأعشاب اذا ما حصلت عرضا على جينات مقاومة مبيدات الحشائش. ثم تأتي الاعتبارات الاقتصادية فتثير براءات اختراع الكائنات المعدلة وراثيًا (GMO) مخاوف بشأن ملكية البذور والوصول إليها، وخاصة بالنسبة للمزارعين في البلدان النامية. وهناك أيضا الاعتبارات الأخلاقية، حيث يجادل البعض بأن الهندسة الوراثية للنباتات والحيوانات هي تدخل غير طبيعي في الطبيعة ولها آثار أخلاقية.
المواقف الدولية والإقليمية:
تباينت مواقف بعض الدول والأقاليم حول قبول أم رفض تلك الأغذية المعدلة وراثيا. فالولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدول التي اعتمدت زراعة واستهلاك الأغذية المعدلة على نطاق تجاري واسع، وتُنظَّم من قبل FDA وUSDA. بينما الاتحاد الأوروبي يفرض قيودًا صارمة ويشترط وضع علامات توضيحية على المنتجات. وغالبية الدول العربية والأفريقية والأسيوية تتعامل بحذر وتفرض قيودًا تنظيمية، مع وجود تفاوت في المواقف بين تلك الدول. وتخضع الأغذية المعدلة وراثيًا عالميا للوائح وقوانين السلامة الغذائية حول العالم. وتتطلب بعض البلدان وضع علامات إلزامية على جميع الأغذية المعدلة وراثيًا، بينما يسمح البعض الآخر بوضع علامات طوعية. وفي بعض البلدان، لا توجد متطلبات لوضع العلامات على الإطلاق.
يتضح من خلال تلك الدراسات والأبحاث أن الأغذية المعدلة وراثيًا تمثل قضية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها العلوم الحيوية مع الأخلاقيات والاقتصاد والسياسات العامة. ورغم ما تقدمه من حلول واعدة لمشكلات الغذاء والزراعة، إلا أن استخدامها الآمن والمستدام يظل مرهونًا بتوافر البحوث المستقلة، والتشريعات المنظمة، والشفافية في تسويق المنتجات. وعليه، فإن نهج التوازن والرقابة العلمية هو الخيار الأمثل لتحديد مدى قبول هذه الأغذية في المستقبل.
لكن حتى الآن، لم تُثبت الأبحاث العلمية الموثوقة وجود أضرار صحية مؤكدة ومباشرة للأغذية المعدلة وراثيًا عند استهلاكها من قبل الإنسان، لكن الجدل العلمي لا يزال قائمًا، وهناك دعوات للاستمرار في البحث والمراقبة على المدى الطويل.
ولعلنا نستعرض ما يقوله المجتمع العلمي الدولي، فمثلا منظمة الصحة العالمية (WHO) تؤكد أن الأغذية المعدلة وراثيًا المتوفرة حاليًا في الأسواق قد خضعت لتقييمات سلامة دقيقة، ولم تُظهر أي مخاطر صحية تختلف عن الأغذية التقليدية. ومع ذلك، توصي بمواصلة مراقبة الآثار على الصحة والبيئة.
أيضًا هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) تعتبر الأغذية المعدلة وراثيا آمنة مثل نظيراتها التقليدية، إذا استوفت معايير السلامة المتبعة. والأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة لم تجد فرقًا واضحًا في معدل الأمراض أو حالات الحساسية في المجتمعات التي تستهلك الأغذية المعدلة مقارنة بغيرها.
ورغم ذلك لا يزال الجدل مستمرًا؟ وربما ذلك يعود لقلة الدراسات طويلة الأجل؛ فأغلب الدراسات الحالية قصيرة المدى ولا تغطي التعرض المزمن لهذه الأغذية مدى الحياة والاختلاف بين الأنواع، فليس كل طعام معدل وراثيًا متشابه، لذلك يجب تقييم كل منتج على حدى. وربما عمر تلك المنتجات الغذائية المعدلة وراثيا المتاحة في الأسواق والذي يبلغ 29 عاما فقط، غير كافي للحكم النهائي على تمام سلامة تلك الأغذية وحتى لو لم يثبت أضرارها حاليا في المدى القصير.
كذلك هناك دراسات محدودة تشير إلى مخاطر محتملة فبعض الدراسات المخبرية (خصوصًا على الحيوانات) أشارت إلى احتمالات وجود اضطرابات هضمية أو تغيرات في الجهاز المناعى أو تأثيرات على الكبد أو الكلى، لكن كثيرًا منها لم يكن قابلاً للتكرار أو المراجعة العلمية الصارمة.
والخلاصة العلمية:
أنه لا توجد أدلة علمية قاطعة تثبت ضررًا صحيًا مباشرًا للأغذية المعدلة وراثيًا عند استهلاكها وفق الشروط الحالية. لكن الحذر العلمي لا يزال مطلوبًا، خاصة فيما يتعلق بالتأثيرات بعيدة المدى والأشخاص ذوى الحساسية الخاصة والاهتمام بالأبعاد البيئية والوراثية.