درس جديد يقدمه لنا قيصر الصقالبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رغم ان الرجل وحاشيه في الكرملين قد انتظروا انتخاب دونالد ترامب بفارغ الصبر، اذ ان ترامب يمكن التواصل معه بشكل اكثر عقلانية من زمرة الولاية الثالثة لباراك أوباما في رداء إدارة جو بايدن وخليفته كامالا هاريس.
وساق الاعلام الدولي مبررات هذا الانتظار الروسي لترامب، بأن روسيا تعثرت عسكرياً في اجتياح غرب أوكرانيا والوصول الى العاصمة كييف، وان خطة روسيا في حرب سريعة وخاطفة في أوكرانيا قد فشلت، وغرس بوتين في أحوال المستنقع الاوكراني ما اوجع الذاكرة الروسية لإنها يومياً تستدعي ذكريات بحر الرمال الافغاني الذى التهم الإمبراطورية السوفيتية.
ولكن منذ تسلم ترامب السلطة في يناير 2025، لم يهرول بوتين او يقدم أي تنازل، بل العكس، واصل التشدد والصرامة، فهو يراهن ان الخلافات بين ترامب ونظيره الاوكراني زيلينسكي ليست بحاجة الى أي تدخلات روسية، فهي كفيلة بنسف الدعم الأمريكي لأوكرانيا.
كما ان مساعي ترامب لتسوية الخلافات حول العالم من اجل التفرغ لتطويق الصين في الشرق الأقصى سوف تجبر ترامب وليس بوتين على تقديم المزيد من التنازلات.
إضافة الى ما سبق، فان خلافات ترامب مع أوروبا على وقع ملفات حلف الناتو وجزيرة جرين لاند الدانماركية والتعريفة الجمركية للتبادل التجاري، كلها أمور سوف تجعل الولايات الامريكية تتخذ موقف منفرد عن أوروبا في ملف حرب أوروبا الشرقية بين روسيا وأوكرانيا.
وبالفعل كانت المواقف الامريكية المعلنة منذ يناير 2025 وحتى لحظة كتابة تلك السطور في مايو 2025 هي مواقف كلها تصب في مصلحة روسيا، الى جانب خط اتصال مفتوح بين موسكو وواشنطن، اتفق على عدم واقعية انسحاب روسيا من شرق وجنوب أوكرانيا، او وضع قواعد لحلف الناتو في أوكرانيا الغربية، او ان تصبح أوكرانيا عضو في الأساس بحلف الناتو.
ولكن بوتين يطمع الى ما هو ابعد من ذلك..
بوتين لم يذهب الى أوكرانيا – مضطراً للدفاع عن الامن القومي الروسي – من اجل غزو أوكرانيا ولكن لصيانة المجال الحيوي الروسي والامن القومي الروسي ووضع قواعد جديدة في التعامل مع الغرب، وبالتالي فان الغرض من الذهاب الى أوكرانيا ليس استعادة جمهورية سوفيتية او أراض روسية سابقة، ولكن الغرض هو تلك الجلسة الختامية الحاسمة او مؤتمر الصلح الذى سوف تتفق فيه روسيا مع الغرب على ما يضمن امنها وسيادتها وكرامتها.
هدف روسيا هو مؤتمر على غرار مؤتمر يالطا، والذى عقد – للمفارقة – في مدينة يالطا الواقعة اليوم بجزيرة القرم الروسية – الأوكرانية، في فبراير 1945 في ختام الحرب العالمية الثانية، حيث تقاسمت الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي دوائر النفوذ في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وذلك بحضور بريطانيا.
ما قبل يالطا عقد مؤتمر فيينا عامي 1814 & 1815 لرسم دوائر النفوذ بين الدول العظمي عقب انتهاء الحرب الفرنسية الكبرى وهزيمة نابليون، كما ذهب العالم الى مؤتمر باريس عامي 1919 & 1920 عقب نهاية الحرب العالمية الاولي (1914 – 1918) .. هكذا فأن بوتين يريد حسم حقبة هائلة من تاريخ روسيا يمكن وصفها بالبوتينية بالذهاب الى جلسة مباحثات تاريخية بين روسيا والغرب على غرار مؤتمرات فيينا وباريس ويالطا.
ولأن بوتين يدرك حقيقة ان الولايات الامريكية هي القوة الوحيدة في العالم الغربي، فانه لا يريد مؤتمر موسع، يكفيه جلسه مع الرئيس ترامب فحسب، خاصة ان كلا الزعيمين – بوتين وترامب – قد عقدا لقاء حاسم في مدينة هامبورج الألمانية في 7 يوليو 2017 على هامش قمة العشرين، اسفر هذا اللقاء عن نهاية الحرب السورية وترسيم مناطق النفوذ بين البلدين الى ان قامت إدارة جو بايدن بكسر هذا التفاهم في سوريا بتحريك هيئة تحرير الشام عقب فوز ترامب بالرئاسة نوفمبر 2024 وادراك دوائر الغرب ان ترامب عائد للبيت الأبيض مرة أخرى.
في نفس اللقاء، قمة هامبورج 7 يوليو 2017، ايضاً تمت التهدئة بين البلدين في ملفات أوكرانيا وليبيا وغيرها، فقامت قمة هامبورج 7 يوليو 2017 بمثابة مؤتمر صلح امريكي روسي مصغر، وتكرر اللقاء في هلسنكي – فنلندا في 16 يوليو 2018، ثم في قمة العشرين بمدينة أوساكا باليابان في 28 يونيو 2019 وكانت قمتي فنلندا واليابان هما تأكيد على وفاق مؤتمر المانيا.
الخميس 15 مايو 2025، كان يفترض ان يحضر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى تركيا للقاء نظيره الاوكراني فولوديمير زيلينسكي، وذلك من اجل قمة حاسمة لوقف اطلاق النار في أوكرانيا، استعد الرئيس التركي رجب طيب اردوجان لتصبح انقرة هي يالطا نسخة 2025 وله الحق، بل وصرح ترامب الذى يقوم بجولة خليجية بانه في الجوار وقادر على زيارة انقرة فوراً اذا ما حضر بوتين.
ولكن بوتين فاجأ العالم بعدم الحضور ! من قال ان يالطا تقعد بين الزعيم و"صبي الزعيم" كما ينظر بوتين الى زيلينسكي ! ثم ان يالطا 2025 يجب ان يكون لها جدول اعمال مسبق، وليست على هامش جولة ترامب في الشرق الأوسط.
وهكذا اقر ترامب مرة أخرى وليست أخيرة امام بوتين بالأمر الواقع وقبل شرط جديد للرئيس الروسي، صرح بوتين يوم الجمعة 16 مايو 2025 بينما طائرته تقترب من الهبوط في العاصمة الامريكية واشنطن انه لن يحدث أي شيء في ملف الحرب بين روسيا وأوكرانيا الا حينما يقابل الرئيس بوتين، وانه سوف يعمل على ذلك.
وبمبادرة أمريكية، اتصل ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي بنظيره الروسي سيرجي لافروف يوم السبت 17 مايو 2025 من اجل وضع جدول اعمال لقاء منتظر وحاسم ما بين بوتين وترامب، وتم الاتفاق مبدئياً ان يتم اللقاء في واحدة من العواصم الأربع، انقرة والرياض وأبو ظبي والدوحة.
انتصرت رؤية روسيا في كيفية التوصل لمشهد ختامي للحرب الأوكرانية، العالم ينتظر لقاء بوتين وترامب لان اللقاء لا يخص حرب أوكرانيا فحسب ولكن مجمل نقاط التماس والخلاف بين روسيا والغرب.