رئيس مجلس الإدارة
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير
أيمن شعيب

طرح القلم

خبز الصحراء وكعك الفقراء و أمن اقتصادي رابح


  • 27-4-2025 | 15:32

أبوبكر عبدالسميع

طباعة
  • أبوبكر عبدالسميع

مصر٠٠ النيل  يجرى  فيها  منذ  آلاف السنين ، يتدفق  ناشرا  الدعم  للحياة  واقفا  بالشكل امتداد مسير، فماء النيل  لمصرحركة  لزوم  ضروريات حياة،  تدفق  حيوي للجسم  الوطنى ،  الوطن  جميعه  حاضره ومستقبله  كما كان  في  الماضي  ولايزال، على أكتافه  كان  الزرع  والري  وغير ذلك من  استخدامات ، مساحة جغرافية  جنب  النيل فى  جانب غير صحراوي، فمصر "هبة  النيل"  كما قال  أحدهم  ذات يوم، و اتضح أنه أطلق تلك الكلمة الحق  لتمرير باطل  سياسي  قديم !

 فـ هيردوت  كان يقصد  حشرالمصريين  فى  بقعة  أرض حاضرة  النيل، كي  يمنع  حشد  المصريين  جهودهم  فى تعمير  الصحراء  المصرية، وصرف  أنظار المصريين عن الصحراء. وصرفهم  عن تجييش القوي  البشرية وقوة الموارد التى تنعم  بها  مصر بمخبوء وظاهر صحرائها٠

 في مصر مناطق  صحراوية  كثبان  وتربة  رملية  تشكل مساحات  شا سعة، ظهير  صحراوي  يلف  جغرافية  محافظات الجمهورية  كافة،  شبه  حزام  يحيط  بجسد  البلد  ، فالصحراء   الغربية  التي  تقع  غربي نهر النيل حتي  حدود  ليبيا فى  الجنوب  من البحر الأبيض المتوسط  وحتي  السودان   بمساحة  26262.800 ميل مربع ، وكذا الصحراء الشرقية بواقع  225000 كيلو متر، و يمثل حجم  الصحراء  96%  من  مساحة  مصر  التى تقدر  بـ 905 آلاف  كيلو متر من  المساحة الكلية  لمصر التى  تبلغ  1002000   فالصحراء مساحات  غير مستغلة بالقدر الكافي، فقد  كانت منذ آلاف السنين  وهي لم  تتغير  سوى  ببعض     مساس  من  عوامل  التعرية،  ببعض عض  خفيف  من  أسنان  البيئة  وأضراس  قسوة  المناخ، لكن  يد  الإنسان  لم  تمسح  على  رأسها  إلا قليلا،  رغم  وجود  بينات  تؤكد أهمية تعمير الصحراء بأشياء  كثيرة  متوافر ة فى  الامكانات  موجودة  بالقدرات،  بما  يحقق  الزراعة  بانتخاب  مزروعات  تراعي قواعد  اللعب  مع  الطبيعة، تناورمع  الري  واجراء  مقاربة  بين  زرع  وزرع ،  فمناخ  مصر  يعمل علي تتابع  الحرارة  والبرودة  مما  يؤثر  فى  تفتت  الصخور،ويطرح  للوجود  تكوين  الكثبان  الرملية، إضافة  إلى  مناطق  رغم كونها - حجرية - مثل منطقة  الحجر النوبي  والحجر الايوسيني والكلسي  والميوسي   وهضبة  الحلف  الكبرى لكنها تصلح  لزراعة مثل  النخيل٠

  ومن  هنا  فسطور  مقالي   عن"النخل" فهو فارس  الصحراء  الكريم ، عريسها  العاشق  ، فالصحراء  عش آمن  للنخيل ،  قوة  علاقة  بعمق التواصل  تحت  شمس الدنيا  فوق وتحت الأرض؛ فظروف  البيئة الصحراوية وإن اشتدت  حرارتها  إلى  50 درجة مئوية  أو أكثر  قليلا، إلا أن علاقة  النخل  على بساط  البيئة  وحركة المناخ  تعاون وتعامل  بلا  مشاكل أو عوازل موانع  تحول أبدا  دون  وجود تناسق و  تناسب،  فتربة  الصحراء  الرملية  مرشحة  بقوة  لزرع  النخيل  فيها   سواء عن  طريق  انبات باستخدام  البذور  أو ما  يسمى  بـ "التكاثر  الجنسي"  أو عن  طريق   انبات بزرع  الفروع  أو مايطلق  عليه  "تكاثر  خضري"  فالنخلة  شجرة  كما  يصفها  الخبراء  شجرة  مستديمة   يصل طولها  إلى  30 مترا  وهي من  الفصيلة  الفو ملية  كاسيات  البذور، وللنخل  فوائد  تعود بالنفع على  الناس والبيئة. 

وكما قال القرآن الكريم " وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ"هذا التكوين  الباسق  جعلها  صديقة  للبيئة،  فهى بذلك  تنظف الهواء  وفق غربلة للتصفية وتخفيف  الأتربة  المتصاعدة  صعودا  وهبوطا ،  وكذا  عمرها  الزمني  يعطيها  مزية  كبرى، فالنخلة  تعيش  150 عاما٠

 وهذه  المساحات الشاسعة  بالتربة الرملية  الكثبانية وغيرها  الموجودة  بالمحافظات ، تشكل  هاجس  قبض بغير بسط  ،فالمسافر داخل مصر بداية  من  بني سويف  إلى أسوان  بالقطار يشاهد  صحراء  شرق  النيل   وكذا  المسافر عن طريق السويس الصحراوي ، وطريق الإسكندرية  الصحراوي  يشاهد كثبانا  رملية  وقطعا جبلية  بمساحات  كبيرة ، فلماذا لا نستغل  تلك  الأراضي   فى مشروع كبير  لزراعة النخيل ، فهبة الله  فى  الكون أنه سبحانه  جعل  أماكن فى مناطق  يمكن  استغلالها  زراعيا  وإن كان فى  الظاهر  ظنة  عسربمستحيل، فالصحراء  والكثبان الرملية  فرصة  أو فرص لمصر لتكون فى مقدمة دول العالم  فى زراعة  النخيل؛ ذلك لأن  الصحراء  وذلك الظهير الصحراوي  مساحات  واعدة  بزراعة  النخيل  وزيادة.

نعم  هناك  بعض  زراعات  جرت  وتجري  فى هذا المجال،  ولكن ذلك لايتناسب  مع  هبة  الصحراء  المصرية، وهذا تقصير ليس  حصريا  على عصرنا هذا، بل هي عملية تراكم  و تراجع  أولويات، مع  أن مصر من  أقدم دول  العالم  فى  زراعة  النخيل،  فهناك  تنافس  تدقيق معلومات  بين  المؤرخين  فى معرفة قدم  زرع  النخل،  تنحصر الأقدمية  بين مصر والهند و الجزيرة  العربية  والعراق، ومصر لدى المؤرخين  هى الأوفر حظا  بشهادة  القدم  الزراعي للنخيل، حيث أسفرت مشاوير علماء الأثار باكتشاف  نخلة  مومياوات  فى  قرية"الرزيقات" بمحافظة  قنا،  عمرها الزمني يرجع إلي  عصر ماقبل  التاريخ.

  كما  برهن شوط  البحث الأثري تأكيد العثور علي  نخلة بمنطقة  سقارة  بالهرم  منذ 3200 عام  قبل  الميلاد  أي عصر الاسرة  الأولى فى  مصر الفرعونية  مش  بس كده  بل  عثر على بقايا  حديقة  إبان عصر الأسرة  الفرعونية  الرابعة، وعثر  فى  منطقة  واحة الخارجة  على  أثار نخيل   يعود إلي  عام   2000 إلى 3000 قبل  الميلاد  أي  العصر  البليستوسيني،   تلك  الروافد  التاريخية  المفروض  أن  تجعلنا  نرفض التقصير فى زرع  النخيل  في جغرافية صحراءمصر،   بل  الواجب علينا زرع  النخيل  بما  يرفل عمقا  فى الصحراء  المصرية   بوفد يساق  إلي  جنان  الزرع  وفدا  توسعيا ٠

فالنخل المصري  كريم  بصفات ، غنى  بقيمته،  فهو حوالي  20 صنفا  منه  الهلالي، والعجوة،  ولؤلؤ، والشيشي، والرطب،  والبرجسي،  والخنيزي،  والخلاص،  وغيرها من  صنوف  تؤكد  أهمية   زراعة النخيل  خاصة فى الصحراء٠

   ولقد  تم  تخليد النخل  فى  التوراة والزبور والإنجيل والقرآن  الكريم ، فقد ورد ذكر النخيل  في  القرآن الكريم   فى  22 آية  بواقع  17 سورة  لذا من  نعم الله  على  الوطن  العربي أنه يمتلك90% من  نخيل  العالم   و بكثرة احتفاء القرآن به  اتسعت  مصطلحات  اللفظ فى المعجم  العربى  فنجد  علماء  اللغة  يفرقون  بين نخل  ونخيل   وانتصر  كل  فريق  لمرجعيته   فقال بعضهم: نخيل  تعنى  الأشجار  المثمرة  العالية سواء  أكانت  نخيلا  أو غير  نخيل،  وقال  اخرون:  نخل  تعني  اسم  الجمع  لشجرة  التمر  قال تعالى :   [ ومن  ثمرات  النخيل  والأعناب  تتخذون منه  سكرا  ورزقا  حسنا  ] سورة النحل  الآية  67  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أكرموا عماتكم  النخلة  ،فإنها  خلقت  من  الطين  الذي خلق  منه  آدم  ) 

وعند  اليهود   كلمة " تامارا "التى  تعني  التمر  بالعبرية  بعل  تامارا ( ثم  بلغوا ايليم  حيث  كانت  اثنتا  عشرة  عين  ماء  وسبعون  نخلة   فخيموا  إلي جوار  عيون  الماء  ٠٠٠هم  منتصبون  كالنخلة  لكنهم  لا  يتكلمون )  سفر الخروج  15 الي 27

وفي  المسيحية  يسمون  سيدنا عيسي ابن مريم  على نبينا وعليه السلام   بـ " ذو النخلة " فقد أكلت أمه مريم  من النخلة  وولد  ابنها عيسى تحت تلك النخلة ٠

 وتعد  النخلة  فى  الذهنية  العربية  دالة العطاء  والكرم  ورمز  البركة   لذا  نجد الشعراء منذ العصر  الجاهلي وإلى عصرنا  هذا  قد  ذكروا  النخل  فى شعرهم  ووظفوه بالاستعارة والكناية  والتشبيه  والمجاز  لأغراضهم  الشعرية ،  معنى  من  الشعور إلي  الشعر،  فشعراء  كبار مشهورون قالوا  على  النخل مثل  امرؤ  القيس:  

سوامق  جبار أتيت فروعه 
وعالين قنوانا من  السبر  احمرا 
وقال  النابغة الذبياني  : 
صغار النوى  مكنوزة ليس  قشرها 
إذا أ طار  قشر التمر عنها  بطائر 
وقال عبد الرحمن  الداخل  113 / 172 هجرية - صقر قريش- مؤسس  الدولة الأندلسية عن  النخل  :
تبدي لنا  وسط الرصافة  نخلة 
تناءت  بأرض  الغرب عن  بلد  النخل
يا  نخل أنت كريمة  مثلي 
في الغرب  نابتة  عن  الأصل 
 قال أبو نواس 756 / 814   ميلادية: 
لنا خمر  وليس بخمر  نخل
ولكن  من نتاج  الباسقات 
كرائم في السماء  زهين  طولا 
ففات  ثمارها  أيدي  الجناة
قلائص فى الرءوس لها  فروع 
تدر  على  ألف  الحالبات  
 قال  بدر شاكر  السياب 1926 / 1964: 
عايناك  غابتا  نخيل  ساعة  السحر 
أشرقتا   من  راح  ينأي عنهما  القمر 
قال نزار  قباني 1923 / 1998  وهويرثي زوجه _ بلقيس التي  قتلت في العراق :   
بلقيس كانت  أجمل الملكات في  تاريخ بابل٠
بلقيس كانت أطول النخلات فى  أرض العراق٠
كانت اذا تمشي ترافقها طواويس  وتتبعها أيائل٠ 

 زراعة النخيل  في  الصحراء ومناطق  الكثبان الرملية  يجب أن تكون  محط  نظر ومحطة  انطلاق، فهي تحقق  عائدا  استثماريا  ضخما  ، تفتح  الباب  واسعا  أمام تعمير الصحراء  بالزرع والناس وتحمي  شريان  المناطق  الحضرية، وتساعد على  جذب  حضاري  بإقامة  صناعات  تحويلية  كثيرة، فالنخل  يدخل في  العديد من  الصناعات الصغرى والكبري ومشارك  الموائد  بتعدد المأكولات والمشروبات ، فزرع النخل فى الظهير الصحراوي  والصحراء بصفة  عامة جامعة  له فوائدعظيمة و منافع  كثيرة  ٠

 

 

اخر اصدار