أكد الدكتور عطية الجيار، أستاذ الأراضي والمياه بمعهد بحوث الأراضي والمياه في مركز البحوث الزراعية، أنه في العقود القادمة سوف تواجه البشرية تحديات مهمة، ليس فقط لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية للمياه، ولكن أيضًا لضمان عدم تأثير استخراج المياه من الأنهار والجداول والبحيرات والخزانات الجوفية على النظم البيئية للمياه العذبة التي تؤدي وظائف بيئية، مع توقع الأمم المتحدة أن يبلغ عدد سكان العالم 9.2 مليار نسمة بحلول عام 2050 ، فهناك أسباب للقلق بشأن ما إذا كان من الممكن تلبية احتياجات الأجيال القادمة من الغذاء والألياف في المناطق ذات الموارد المائية المحدودة.
وأضاف الدكتور عطية الجيار، أنه غالبًا ما ينظر المجتمع العلمي وكذلك السياسي الدولي إلى التغير العالمي فيما يتعلق بتغير المناخ، وأنه من المعترف به عمومًا أن انبعاث الغازات المسببة للانحباس الحراري مسؤول عن التأثيرات البشرية على نظام المناخ، ولتقليل الانبعاثات، يتم الترويج بشدة للتحول نحو الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الحيوية، ومن المزايا الأخرى للطاقة المتجددة زيادة أمن إمدادات الطاقة، وتنويع الموارد، وغياب مخاطر النضوب، مضيفا أن مصادر الطاقة الحيوية يمكن أن تكون محاصيل مزروعة خصيصاً لهذا الغرض، أو نباتات طبيعية، أو نفايات عضوية، كما يمكن استخدام العديد من المحاصيل المستخدمة في الطاقة الحيوية كغذاء أو علف، ولكن ليس في نفس الوقت، ويمكن حرق الكتلة الحيوية لإنتاج الحرارة والكهرباء، ولكن يمكن استخدامها أيضاً لإنتاج الإيثانول الحيوي أو الديزل الحيوي، وهما نوعان من الوقود الحيوي يمكن أن يحلا محل ناقلات الطاقة الأحفورية في المركبات الآلية.
وأشار الدكتور عطية الجيار، إلى أنه في الوقت الحاضر، يتطلب الإنتاج الزراعي للكتلة الحيوية للأغذية والألياف ما يقرب من 86% من استخدام المياه العذبة في جميع أنحاء العالم، وفي العديد من أنحاء العالم، يتنافس استخدام المياه في الزراعة مع استخدامات أخرى، مثل الإمدادات الحضرية والأنشطة الصناعية، على الرغم من أن البيئة المائية تظهر علامات التدهور والانحدار، كما أن زيادة الطلب على الغذاء جنباً إلى جنب مع التحول من الطاقة الأحفورية إلى الطاقة الحيوية يفرض ضغوطاً إضافية على موارد المياه العذبة، كما أن المستقبل لن يشهد أي أراض جديدة، وبالتالي فإن كل الإنتاج لابد وأن يأتي من قاعدة الموارد الطبيعية الحالية، الأمر الذي يتطلب عملية تكثيف مستدامة من خلال زيادة كفاءة استخدام الأراضي والمياه.
وأوضح الدكتور عطية الجيار، أنه على مستوى العالم، تستكشف العديد من البلدان خيارات استبدال البنزين بالوقود الحيوي، بل إن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قد حددا أهدافاً لهذا الاستبدال، ولكن عندما تزرع محاصيل الطاقة الحيوية فإنها تحتاج إلى كميات إضافية من المياه التي لا يمكن استخدامها بعد ذلك في الغذاء، ويؤثر زراعة الكتلة الحيوية على نطاق واسع لاستبدال الوقود الأحفوري على الطلب المستقبلي على المياه، والسؤال المهم هنا هو ما إذا كان ينبغي لنا أن نوجه مواردنا من المياه العذبة إلى إنتاج الطاقة الحيوية أم إلى المحاصيل الغذائية؟.
وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أنه في عام 2007 قبل اندلاع أزمة أسعار الغذاء، دُفع 75 مليون شخص إضافي إلى سوء التغذية نتيجة لارتفاع الأسعار، الأمر الذي يرفع العدد الإجمالي للجياع في العالم إلى 923 مليون شخص.
وعلاوة على ذلك، تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الوقود الحيوي يزيد من انعدام الأمن الغذائي، ويرى البنك الدولي أن إنتاج الوقود الحيوي يشكل عاملاً رئيسياً في ارتفاع أسعار الغذاء، ويقدر البنك أن 75% من الزيادة في أسعار الغذاء في الفترة من 2002 : 2008 كانت بسبب الوقود الحيوي، وقد تؤدي الأزمة المالية الحالية إلى تقليص القدرة الشرائية وزيادة خطر انخفاض تناول الغذاء، ونتيجة لهذا، فمن المرجح أن يهبط عدد أكبر من الناس إلى ما دون عتبة الجوع، وقد تتخذ الأسر قرارات بتناول عدد أقل من الوجبات أو تناول أغذية أرخص وأقل قيمة غذائية، وهي قرارات قد تخلف عواقب وخيمة بشكل خاص على الرضع والأطفال.
واستطرد الدكتور عطية الجيار قائلا: استبدال الطاقة الأحفورية بالطاقة الحيوية يولد الحاجة إلى معلومات مفصلة عن متطلبات المياه لهذا المصدر الجديد للطاقة، أحد المفاهيم المستخدمة لحساب احتياجات المياه للمنتجات الاستهلاكية هو البصمة المائية، والتي تُعرف بأنها الحجم السنوي الإجمالي للمياه العذبة المستخدمة لإنتاج السلع والخدمات للاستهلاك.
وأوضح أستاذ الأراضي والمياه، أنه من الناحية النظرية، يمكن استخدام جميع المحاصيل للحصول على الطاقة، بما في ذلك المحاصيل مثل الأرز والجاودار التي تستخدم حالياً بشكل رئيسي في الغذاء، ولا يعتمد استخدام المياه لمحصول معين على ما إذا كان أكثر كفاءة في استخدام المياه في إنتاج وحدة من الإيثانول أو الديزل الحيوي أو الكهرباء مقارنة ببعض المحاصيل النموذجية للطاقة، مثل بذور اللفت أو الجاتروفا، يجب توسيع المناقشة الأخلاقية حول ما إذا كان من الممكن استخدام المحاصيل الغذائية للحصول على الطاقة إلى مناقشة ما إذا كان ينبغي لنا استخدام قاعدة موارد المياه المحدودة لدينا للحصول على الغذاء أو الطاقة.
كما أن المجتمعين العلمي والسياسي الدوليين يشجعان على التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، مثل الكتلة الحيوية، للحد من انبعاث الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي، وقد أظهرت الدراسات العلمية أن إنتاج الكتلة الحيوية يسير جنباً إلى جنب مع الاحتياجات المائية الضخمة، وهناك بالفعل أسباب تدعو إلى القلق العميق في العديد من المناطق والبلدان ذات الموارد المائية المحدودة بشأن ما إذا كان من الممكن تلبية احتياجات الأجيال القادمة من الغذاء والألياف.