رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة | رئيس التحرير: أيمن شعيب
الأحد 21 ابريل 2019

درويش: "4ت" أحدث الخطط لمواجهة التحديات المائية حتى عام 2050 ومصر تحتاج 114 مليار متر مكعب لتحقيق اكتفائها الذاتى من المياه

23 يناير 2019

*العديد من التحديات تعترض مواردنا المائية وأخطرها الجهل والإسراف 

*أكثر من 97 % من مواردنا المائية تأتى من خارج الحدود

*الدول الإفريقية وخاصة شمال إفريقيا من أكثر الدول تأثراً بالتغيرات المناخية

المياه من أهم ركائز الأمن القومى وأهم عناصر التنمية بالدولة، حيث ترتبط خطط التنمية الشاملة فى جميع المجالات بمدى توافر الموارد المائية اللازمة لتنفيذ هذه الخطط، وتتعاظم أھمیة الموارد المائیة كلما زادت درجة ندرة الموارد المائیة وزاد الاحتیاج إلیھا، وتتسم تلك الموارد بالتقلبات الكبیرة من عام لآخر، وتوفير الغذاء الآمن من أهم عناصر الأمن القومى لأى شعب، ولا يمكن النجاح فى توفير الأمن الغذائى إلا إذا كان هناك أمن للموارد البشرية والبيئة، وفى مقدمة ذلك الأمن المائى، وتواجه مصر حالیاً مجموعة من التحديات التى تواجه منظومة الموارد المائية فى مصر.

يقول الدكتور إبراهيم حسينى درويش، أستاذ ورئيس قسم المحاصيل بكلية الزراعة بجامعة المنوفية، أن التحديات التى تواجه منظومة الموارد المائية فى مصر يمكن إجمالها فى النقاط التالية: محدودية الموارد المائية، وازدياد الطلب وتنافس القطاعات المختلفة على المياه، واستمرار المعدلات العالية للزيادة السكانية وتركيز التوزيع السكانى بالوادى والدلتا، والتغيرات المناخية وتأثيراتها المتوقعة على الاحتياجات المائية، علاوة على تلوث المجارى المائية وازدياد تدهور نوعية المياه، إلى جانب ازدياد الفجوة الغذائية والحاجة لتحقيق الأمن الغذائى، وضعف الوعى بأساليب توفير المياه، وكذا الكم الهائل من التعديات على نهر النيل وشبكة المجارى المائية والحاجة إلى تأكيد أهمية الانتفاع الأمثل بمنافع الرى والحفاظ عليها. 

التزايد والمحدودية 

التزايد السكانى: حیث یعتبر النمو السكانى المتزاید يكفى أن تعرف أن نسبة الزيادة السكانية فى العام 2.5 % يعنى بما يساوى 2.5 مليون نسمة، یعتبر النمو السكانى أیضاً أحد الأسباب الرئیسیة لاتساع الفجوة الغذائیة بین الإنتاج والاستھلاك، وھو الأمر الذى یتطلب زیادة الرقعة الزراعیة لتقلیص ھذه الفجوة الغذائیة، باستصلاح أراضٍ جدیدة وإنشاء مجتمعات عمرانیة جدیدة متكاملة، مما یؤدى إلى زیادة الاحتیاجات المائیة للقطاعات المستھلكة للمیاه، ورفع مستوى معیشة المواطنین وسوء التوزيع السكانى وتدنى الخصائص السكانية. 

محدودية حصة مصر من مياه النيل: وثباتها وندرة الأمطار فى مصر مقارنة بدول أخرى داخل حوض نهر النيل، حتى الأمطار الساقطة غير منتظمة وغير محددة  فقد انخفض نصيب الفرد من المياه فى مصر إلى نحو 570 م3 سنوياً عام 2018 ، مقارنة بالمعايير الدولية التى ترى أن يكون نصيب الفرد 1000 متر مكعب سنوياً. 

طبيعة الموارد المائية من خارج الحدود المصرية: كما أن الأمر لا يقتصر فقط على كمية الموارد المائية المتاحة، بل وطبيعتها أيضاً حيثُ إن أكثر من 97 % من مواردنا المائية تأتى من خارج الحدود، وتتجسد فى زيادة الطلب على استخدام المياه لكل قطاعات الدولة فى ظل محدودية الموارد المائية، فى الوقت الذى ضاعفت معه التغيرات المناخية من حجم هذه التحديات.

التغيرات المناخية 

التغير المناخى: من المحتمل أن تؤدى التغيرات المناخية إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض 1.5 درجة مئوية بين 2030 – 2052.. ومعنى ذلك حدوث العديد من الكوارث على كوكب الأرض، مما سوف يؤدى إلى تزايد الكوارث من موجات جفاف وفيضانات سنوية، خسائر الفيضانات سوف تتضاعف إلى 52 بليون دولار فى عام 2025، حيث انعكست بشكل مباشر على ارتفاع مضطرد فى درجات الحرارة، صاحبتها زيادة الاستهلاك المائى للمحاصيل، فضلاً عن تأثيرها المباشر على غرق المناطق المنخفضة فى الدلتا، كنتيجة لارتفاع سطح البحر وارتفاع درجات الحرارة، وأن الدول الإفريقية وخاصة شمال إفريقيا من أكثر الدول تأثراً بالتغير المناخى، وسوف يؤدى إلى أضرار وتتلخص هذه الأضرار فى ارتفاع مستوى سطح البحر، والفقر المائى، وتدهور الصحة العامة والأمن الغذائى والأنظمة البيئية، مما يؤدى إلى خسائر اقتصادية باهظة التكاليف تعوق وتعرض دلتا نهر النيل شمال مصر إلى التآكل؛ نتيجة ارتفاع منسوب سطح البحر، وبما يؤثر سلباً على الزراعة فى شمال الدلتا نتيجة تداخل مياه البحر مع المياه الجوفية وتدهور نوعيتها، وما لذلك من آثار بيئية واجتماعية واقتصادية جسيمة وزيادة الفقر المائى فى مصر، وهذا يعتبر أحد أهم انعكاسات التغيرات المناخية، حيثُ من المتوقع زيادة الاحتياجات المائية بنسبة 20 % بحلول عام 2020 نتيجة لزيادة الطلب، فى الوقت الذى تشير فيه. 

بعض الجهلاء 

انخفاض الوعى بأهمية القضية: وهذا الانخفاض على أكثر من مستوى.. الأول بعض الجهلاء يعتقد أن القضية قضية حكومة فقط، وصدّر للحكومة المشاكل والبعض الآخر ومازال يتعامل مع القضية بعدم تقدير قيمة قطرة المياه، فإما يتعامل معها بثقافة الوفرة أو بالهدر أو بالتلوث.

سوء استخدام الموارد المائیة فى الزراعة المصریة: وعدم الاستخدام الأمثل للموارد المائیة، الذى ینعكس على عائد الوحدة المائیة، كما أن ھناك انحرافاً عن الاستخدام الراھن للموارد المائیة فى الزراعة المصریة عن الاستخدام الكفء، الذى یتحقق معھا  أقصى عائد للوحدة المائیة، كما یؤدى الإسراف فى استخدام المیاه إلى عدم وجود فائض مائى یسمح برى مساحات جدیدة من الأراضى المستصلحة. 

من عام لآخر 

أما عن احتياجات مصر من الموارد المائية، فيقول درويش أن مصر تحتاج إلى 114 مليار متر مكعب فى الوقت الراهن لكى تحقق اكتفاءها الذاتى من المياه، وسوف تزداد الاحتياجات من عام لآخر بزيادة السكان المستمرة، والحاجة إلى التوسع الفقى فى الزراعة، والمتاح لنا 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل، تأتى إلينا من دول المتبع مع التخوفات  من بناء سدود على نهر النيل غير سد النهضة فى إثيوبيا،  والاحتياطات التى تتخذها الدولة المصرية لمواجهة  فترة ملء سد النهضة، وانعكاسات ذلك على التدفق المائى إلى مصر، إلى جانب 4.5 مليار متر مكعب من المياه الجوفية ومياه الأمطار، فى الوقت الذى تبلغ فيه استخداماتنا من المياه فعلياً 80 مليار متر مكعب، الأمر الذى يمثل بالنسبة لنا عجزاً يصل إلى 20 مليار متر مكعب، وهذا التحدى يزيد من ضغوطه التزايد السكنى غير المنضبط، فسكان مصر يزيدون سنوياً بمقدار 2.5 مليون نسمة، ولو استمرت هذه النسبة فى الزيادة السكانية، فمن المتوقع أن نصل إلى أكثر من 170 مليوناً بعد 30 سنة، الأمر الذى يجعل قضية الحفاظ على المياه أمراً حتمياً فى الوقت الراهن حماية لأجيال المستقبل.

كل مواطن

وأضاف الدكتور درويش أن وسائل مواجهة التحديات المائية، يكمن فى أن قضية المياه هى قضية جميع أبناء الوطن، حيثُ إن لكل مواطن دوراً فيه؛ لأن جميع أفراد الوطن يستخدمون المياه بداية من الاستخدامات الشخصية، وكذا الاستخدامات فى جميع القطاعات الأخرى السياحية والصناعية والزراعية، وأصبح دورنا جميعاً، فمن خلال استبيان الآراء للمهتمين  بقضية المياه من الجامعات، وكنت ضمن اللجنة التى شكلت من جامعة المنوفية لذلك الغرض، بالإضافة إلى المراكز البحثية والوزارات المعنية، فقد تم وضع خطة قومية مرنة، يمكن الإضافة إليها يجب أن تتعاون كل الجهات ونعمل عليها جميعاً؛ لترشيد استخدامات المياه حتى عام 2050 لمواجهة التحديات المائية، والتى ترتكز على أربعة محاور وتعرف باستراتيجية "4 ت"، وهى تتلخص فى أربعة محاور هى (تنقية وتحسين نوعية المياه، وترشيد استخدامات المياه، وتنمية الموارد المائية، وأخيراً تهيئة البيئة الملائمة).

أربعة محاور 

المحور الأول: تنقية وتحسين نوعية المياه من خلال إعادة استخدام المياه، والعمل على تنقية مياه الصرف الزراعى والصناعى، ومواجهة التلوث بكل أشكاله وتفعيل قوانين البيئة وحماية المجارى المائية، والتوسع فى شبكات الصرف الصحى فى البلاد.

المحور الثانى: ترشيد استخدامات المياه، من خلال تحسين  كفاءة استخدام المياه داخل إدارة منظومة المياه فى مصر بكفاءة أعلى، مع أن كفاءة استخدام المياه فى مصر هى الأعلى بين أقرانها فى الدول الإفريقية، مع تطويرالرى بالغمر والاهتمام بعمليات الخدمة للأرض والمحصول، والتقليل من مساحات المحاصيل ذات الاحتياجات المائية العالية، واستنباط أصناف ذات قدرة عالية فى تحمل الإجهادات البيئية واستخدام الهندسة الوراثية, والتوسع  وتطوير نظم الرى الحديث؛ لتوفير استهلاكات المياه فى قطاع الزراعة باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وإجراء البحوث والتطوير؛ لتعظيم الاستفادة من كل نقطة مياه.

المحور الثالث: تنمية الموارد المائية من خلال التعاون مع دول منابع النيل، مثل مشروع "ممر التنمية" الملاحى من بحيرة فيكتوريا حتى البحر المتوسط، حيث إن نهر النيل ليس مجرى فقط لتدفق المياه، بل هو ناقل للتنمية، خاصة وأن هناك 5 دول حبيسة فى حوض النيل، مثل جنوب السودان وإثيوبيا ورواندا وبورندى وأوغندا، بالإضافة للاستخدام الآمن من المياه الجوفية بكميات تتناسب مع تجديدها،  واستخدام التكنولوجيات الحديثة لتحلية مياه البحر، تخفيضاً لنفقات التحلية، علماً بأنه قد حدث تقدم كبير فى تحلية المياه من البحر، خاصة فى مناطق العلمين وجنوب سيناء والبحر الأحمر، وبناء السدود ومعالجة المخرات للأمطار وعمل حصادات وخزانات مياه للاستفادة القصوى من نقطة مياه.   

 المحور الرابع: تهيئة البيئة الملائمة والمناسبة من خلال التشريعات والقوانين وحملات التوعية والترشيد، ووضع آليات تؤدى إلى توفير المياه للأجيال القادمة، بالإضافة إلى رفع الوعى بتوجيه الخطاب الدينى والمجتمعى والتعليمى والإعلامى  لمساندة القضية، والتوعية بترشيد استخدامات المياه.

تضافر الجهود 

ولتنفيذ هذه المحاور السابقة يجب أن تتضافر الجهود وتبنى  مجموعة من الإجراءات، كتعظيم دور البحث العلمى وتوطين التكنولوجيات الحديثة والحد من زراعة المحاصيل الشرهة للمياه، وتطبيق نظم الرى الحديثة للتعامل وزيادة إعادة تدوير المياه للمعايير الآمنة، والذى يمثل 25 % من الاستخدام الحالى، و تُعد مصر ثالث دول العالم فى إعادة استخدام مياه الصرف الزراعى المعالجة فى أغراض الرى، والبحث الجاد عن أسباب التغيرات المناخية، ومعالجتها بآليات فعالة على أرض الواقع لتحقيق التنمية المستدامة المرجوة، لأن التحديات المناخية ليست مجرد تحدى بيئى فقط، ولكن أيضاً تحدى لمقومات التطور الاجتماعى والاقتصادى على مستوى العالم تنفيذا لاجتماع باريس عام 2015 ، وتطوير سياسات لمقاومة التلوث وتغير المناخ وحماية البيئة وتطوير البنية التحتية لدعم جهود خفض تلوث الهواء أيضاً، وتنفيذ الاتفاقيات الدولية لتغير المناخ، وعتبار التكيف مع المتغيرات المناخية أولوية قومية تتطلب زيادة الوعى المجتمعى ودعم البحث والدراسات ذات الصلة.. الاتفاق  مع الجانب الإثيوبى على الحفاظ على منسوب تخزين مياه السد يراعى فيه فترات الجفاف التى يمكن أن تتعرض لها دول المصب، حتى نجعل من سد النهضة فائدة لكل الدول إذا تم وضع خطة إدارة إقليمية تعاونية مستدامة لإدارته بالتنسيق مع دول المصب، بحيث يوفر الطاقة التى تحتاجها إثيوبيا دون التأثير على دول المصب. بالإضافة إلى زيادة معدل التنمية الاقتصادية  وتوفير عملة صعبة عن طريقها، يمكن استيراد مياه افتراضية فى صورة سلع غذائية لسد باقى العجز.

رابط دائم :

أضف تعليق