رئيس مجلس الإدارة: عبدالمحسن سلامة | رئيس التحرير: أيمن شعيب
الأثنين 22 اكتوبر 2018

الخبراء: القرية المصرية أصبحت شكل ماسخ لا طعم له ولا لون.. وعلى الدولة استبدال الغذاء المدعم للفلاح بمستلزمات الإنتاج

15 اغسطس 2018

إن حال القرية المصرية اليوم يدعو إلى مزيد من الدراسة والتشخيص والتحليل لرصد الظواهر الجديدة والغريبة عن القرية المصرية، والتى عرفت بأصالتها وهويتها الثقافية المميزة لها على مر العصور، وفى ظل موجات التغير المتلاحقة التى أصابت القرية غيرت كثيراً من هذه الهوية، وأصبحت فى شكل ماسخ لا طعم له ولا لون، فلا هى بقيت قرية كما هى، ولا هى أصبحت حضرية من كل الجوانب والمظاهر، ولا يجب أن يقتصر الأمر على البحث والدراسة والتشخيص بل يجب أن توضع فى بؤرة اهتمام السلطات بالدولة خاصة التنفيذية والتشريعية، من أجل وضع القوانين والتشريعات التى تعيد للقرية مكانتها وتضمن حقوق ومصالح الريفيين، والعمل على استكمال كل مقومات تنمية القرية المصرية لتعود إلى سابق عصرها قرية منتجة يسودها الحب والتعاون والسلام ليعم الخير على المجتمع المصرى أجمع.

أما اليوم فقد تبدل الحال لتزحف الكتل الخراسانية على الأراضي الزراعية فى القرى, وانتقل الفلاح من امتلاك الأرض أو العمل فيها إلى امتلاك السوبر ماركت والمقاهى ومحلات الدش والأجهزة الكهربائية ليستيقظ متثائباً فى الظهيرة بعد أن كان يستيقظ مع ضوء الفجر بهمة ونشاط ليذهب إلى أرضه وهجر الكثير من الفلاحين الأرض للعمل كعمال باليومية وبدأ المتعلم من أبناء القرية يستحى أن يقول أنه من الريف أو يسكن فيه وانقطعت صلته بالأرض الزراعية وأصبحت القرى مكدسة بالسكان وبالبطالة.

فرغم أنه من الصعب أن تعود القرية المصرية إلى ما كانت عليه من قبل نتيجة لتغيرات عديدة فقد كان الفلاح- على سبيل المثال- يعتمد على نفسه فى توفير خبزه, حيثُ كان يزرع القمح والذرة, أما اليوم فهو يعتمد على الأفران التى أصبحت منتشرة فى كل قرية مصرية فهل سيتخلى الفلاح عن هذه الأفران، أم هل سننزع هذه الأفران من القرى إننا نحتاج إلى إعادة إحداث تنظيم، قليل من الفلاحين يقوم بزراعة البرسيم الذى كان كل فلاح فى السابق يقوم بزراعته لإطعام الحيوانات والطيور فى المنزل, أما اليوم فالفلاح يفضل زراعة الخضراوات بدلاً من هذه المحاصيل فكيف للفلاح أن يقوم بتربية الطيور والحيوانات كما كان جميع الفلاحين يفعلون من قبل, النادر اليوم من الفلاحين من يفعل ذلك ولم تعد الفلاحة، كما كانت من قبل تهتم بتربية الطيور والحيوانات فغالبية الريفيات متعلمات اليوم, كذلك فإن الفلاح يشجع أبناءه على الهجرة للمدينة. 

والأهرام الزراعى من خلال هذا التحقيق تسعى لمحاولة إيجاد روشتة علاج لهذا الوضع المتأزم. 

قرية منتجة 

يقول الدكتور أحمد خورشيد عالم وأستاذ الزراعة الكبير ومستشار وزير التموين، إنه لعودة القرية إلى سابق عهدها كقرية منتجة يجب اتباع بغض الإجراءات التى تجبر الفلاح على العودة لأصوله.. وبمعنى آخر يرى الدكتور أحمد خورشيد أن الدعم الموجهة للقرى يجب أن يكون فى هيئة سماد أو تقاوى وليس فى صورة أكل مثله مثل المدينة حتى لا يصبح معتمداً على الحكومة فى إطعامه هو وأسرته، وبالتالى يتكاسل هو وأسرته عن القيام بإنتاج أكلهم مثل الماضى.

ويشدد على أنه يجب تقديم نماذج ناجحة للفلاح بإقامة مجتمعات ريفية جديدة تعتمد ذاتياً على نفسها فى مأكلها ومشربها، وعلى الخامات المحلية المتوافرة لديهم بما يحقق اكتفاء ذاتياً لهم، إضافة إلى تسويق منتجاتهم إلى المدينة لإدرار ربح عالٍ ومالٍ وفير .

القرية النموذجية

وعن فكرته عن القرية النموذجية  قال الدكتور أحمد خورشيد  أنه يجب أن يحاط بيت الفلاح ببعض الأفكار الجديدة والمشروعات الصغيرة التى تدرعليه دخلاً بجانب الزراعة مثل وجود خلايا نحل تأكل من الزرع الذى يزرعه  فتوفر له العسل ليبيعه، كما أن من مهمة النحل أيضاً التلقيح ومن فؤائد هذا التلقيح إنتاج ثمار متساوية الحجم بخلاف زيادة الإنتاجية.

كما يمكن عمل أرفف بالمنزل لزراعة نبات عيش الغراب وهو مشروح مربح جداً، وكذلك وجود أبراج الحمام وتربية الطيور المنزلية للبيع إلى المدينة.

وأشار الدكتور أحمد خورشيد إلى أننا دولة فقيرة لا تحتمل الفاقد، والمقصود هنا هو تغيير أنماط الاستهلاك للمواطن المصرى.. ويقول لو قام كل فرد برمى لقمة عيش صغيرة لا تصل إلى عُشر الرغيف، فإن ذلك يكلف الدولة 1.5 مليار جنيه.

وعن دور الدولة يؤكد أنه ملزم بتسويق منتجات القرية  لإعطائهم الحافز للإنتاج والربح مما يقومون بإنتاجه.. حتى لا تفقد القرية هويتها.

إلزام الطالب

ويشير الدكتور طارق العبد الأستاذ بكلية الزراعة جامعة الأزهر إلى أن النهوض بالقرية يستلزم أن يتبع الفلاح أساليب  الزراعة الحديثة واللجوء إلى المراكز البحثية والجامعات لمساعدته على زيادة الإنتاجية والاستفادة من الأبحاث الجديدة.

كما يجب أن تقوم الجامعات المصرية بإلزام الطالب أو عدد منهم فى الاشتراك بمشروع يحقق عائداً اقتصادياً وذا إنتاجية يفيد به المجتمع حوله ونقل هذه الأفكار للواقع العملى لتنفيذها، ويؤكد أن الزراعة أصبحت صناعة رأسمالية، وأنه يجب أن نبدأ بفكر أكثر تقدماً مثل أن يتبنى رجل أعمال مساحة من الأرض التى يمتلكها عدد من الفلاحين ويقوم بتقديم الدعم المادى والتكنولوجى لهم لتحقيق أقصى استفادة وإنتاجية للمساحة كاملة ومشاركتهم فى إعطاء المنتج قيمة مضافة من ناحية التغلييف أو التجميد لتحقيق أقصى ربح .

المكسب السريع

لأن خضوع الفلاح للوسيط الذى يعطيه القليل ويكسب هو الكثير تجعله يعزف عن الزراعة ويتجه لأعمال أخرى للمكسب السريع.. كما أن تفتيت الأرض الزراعية وعدم الالتزام بالدورات الزراعية كان سبباً فى انحسار الدور الذى كان يقوم به الفلاح فى السابق.

ويرى الدكتور طارق العبد أنه يلزم للنهوض بدخل الفلاح والمجتمع القروى كاملاً إدخال بعض الصناعات التحويلية على المزروعات التى يقوم بزراعتها، مثل التجفيف والتجميد والتجفيد بما يغيير من المحتوى كاملاً ويقلل الفاقد وعدم اللجوء للوسيط، وبما يحقق للفلاح العائد المجدى المشجع لاستكمال مسيرته.

كما يجب النظر إلى التجارب الناجحة فى الخارج مثل الفلبين وماليزيا، فنجد هناك وجوداً لأحواض السمك داخل الأراضى الزراعية وتحت البيوت، وكذلك تجربة إنتاج غاز الميثان من المخلفات الزراعية وربطها بمزارع الدواجن على سبيل المثال.

ومثال آخر مثل إنشاء القرية السياحية والترويج لها عالمياً، فيقضى السائح يوماً كاملاً بين الزراعات ويتم عمل بحيرات للصيد والقيام بالشواء فى الطبيعة، وعرض لبعض المنتجات المصرية الخاصة بكل مكان، فيقوم بالشراء بما يحقق ربحاً  للقرية.

عصب الاقتصاد 

ويقول الدكتور حاتم أبو عالية أستاذ الزراعة بكفر الشيخ، أن القرية المصرية هى عصب الاقتصاد القومى، فعن طريقها نوفر الغذاء والكساء ونصدر للخارج، ولقد مرت القرية بحقب تاريخية بدءاً من الملكية وتحكم الإقطاع فى خيراتها، ثم الجمهورية والحكم الناصرى وبداية عصر النهضة التعاونية الزراعية، ودعم الفلاح فى مستلزمات إنتاجه وتسويق محاصيله ودعم ثروته الحيوانية، إلى أن جاءت بعثة صندوق النقد الدولى أيام الرئيس الراحل أنور السادات فى عهد الرئيس الأمريكى رونالد ريجان فى بداية الثمانينيات واقترحت أن الزراعة فى مصر لا تنهض من خلال دعم الفلاح، وأنه لابد من إلغاء الدعم وترك الفلاح للسوق الحر وهى بداية مرحلة التحرر الاقتصادى التى جعلت الفلاح أسيراً لتجار السوق السوداء، وأصبحت الزراعة لا تمثل له أى هامش ربح لارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج وتدنى أسعار محاصيله الزراعية فتحولت القرية من منتجة إلى مستهلكة فلكى تعود القرية إلى سابق عهدها منتجة ومكتفية ذاتياً لابد من عودة نظام التعاونيات الزراعية والبنك التعاونى الزراعى فالقرى فى مصر تمتاز بمميزات معينة فى أشياء معينة وهنا أشيد بدعوة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى إنشاء القرى المتخصصى وتم عقد بروتوكول تعاون بين وزارتى التنمية المحلية ووزارة الزراعة فى تنفيذ هذا المشروع، فعودة البنك التعاونى يجعل التصنيع الزراعى موجود بجانب الزراعة جنباً إلى جنب وهذا مايسمى بصناعة الزراعة والذى سوف ينعش أسعار المحاصيل الزراعية، بما يسمى بالقيمة المضافة للفلاح، أيضاً لابد من عودة الدورة الزراعية ووجود سياسة زراعية تتضمن خريطة صنفية للمحاصيل الزراعية، هنا أحدث تنمية فى القرية المصرية وأحقق الاكتفاء الذاتى وتصدى للبطالة فى الريف وأمنع الهجرة من الريف إلى الحضر بالاستفادة من خيرة شبابها.

رابط دائم :

أضف تعليق